“تعفن الدماغ”… جائحة جديدة تهدد العالم

أصبحت الدراسات الحديثة تحذر من آثار مقلقة ناجمة عن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهي آثار لا تقتصر على فئة عمرية محددة، بل تمتد لتشمل الأطفال وكبار السن على حد سواء، في ظاهرة باتت تُعرف باسم «تعفن الدماغ».
قبل سنوات قليلة، كان من الصعب تقبّل مصطلح كهذا أو اعتباره مرتبطًا بالواقع، إلا أن التحولات الرقمية المتسارعة جعلت منه توصيفًا شائعًا لحالة ذهنية يعيشها كثيرون في عصر يهيمن فيه المحتوى الرقمي على تفاصيل الحياة اليومية.
ولا ينكر المختصون الفوائد الكبيرة التي جلبها الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية بات أكثر وضوحًا، إذ تشير الأبحاث إلى أن الاستخدام المفرط لتلك المنصات أفرز آثارًا نفسية وذهنية عميقة، جعلت بعض الخبراء يشبهونها من حيث الانتشار والخطورة بالأوبئة العالمية، مع تحذيرات من أن تداعياتها قد تكون طويلة الأمد.
ويُستخدم مصطلح «تعفن الدماغ» لوصف حالة من التراجع في الأداء الذهني ناتجة عن الاستهلاك المستمر لمحتوى رقمي منخفض الجودة، الأمر الذي يؤثر سلبًا في الذاكرة، والانتباه، والقدرة على الإبداع. ولا يُعد هذا المفهوم مرضًا يمكن تشخيصه طبيًا أو علاجه بالأدوية، بل هو ظاهرة سلوكية مرتبطة بالإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا المحتوى القصير والسريع مثل مقاطع «الريلز» والتمرير المتواصل عبر الشاشات.
وتوضح اختصاصية أمراض الجهاز العصبي في مركز بلفو الطبي، الدكتورة حنين هلال، أن الأبحاث التي تناولت تأثير الجلوس الطويل أمام الشاشات بدأت قبل الانتشار الواسع لتطبيقات الفيديو القصير، إلا أن تسارع هذه الظاهرة فاقم المشكلة بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

وبحسب الدراسات، فإن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يؤثر مباشرة في التركيز والقدرات الذهنية، خاصة لدى الأطفال. وفي المقابل، أظهرت بعض الأبحاث أن ألعاب الفيديو التفاعلية التي تتطلب التفكير السريع واتخاذ القرار قد تحمل آثارًا إيجابية على أدمغة الأطفال، كونها تحفّز النشاط الذهني وحل المشكلات.
لكن المشكلة الأساسية، كما تشير هلال، تكمن في قضاء ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، خصوصًا قبل النوم. فقد أظهرت المقارنات بين أشخاص يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لأكثر من ساعتين يوميًا وآخرين أقل من ذلك، أن الفئة الأولى تعاني اضطرابات واضحة في الانتباه والتركيز، إضافة إلى تراجع جودة النوم العميق، ما ينعكس سلبًا على الذاكرة والأداء الذهني، خاصة عند تجاوز خمس ساعات استخدام يوميًا.
ومن الظواهر المرتبطة بهذا النمط السلوكي ما يُعرف بـ«تشويش الدماغ» أو Scroll Fog، وهي حالة من الضبابية الذهنية ناتجة عن التمرير السريع والمتواصل للمحتوى، تؤدي إلى صعوبة إنجاز المهام اليومية سواء في الدراسة أو العمل.
ويلاحظ هذا التأثير بوضوح لدى الأطفال الذين يجدون صعوبة في الالتزام بالمهام والتركيز عليها، كما ينطبق الأمر على البالغين الذين باتوا أقل قدرة على متابعة أعمالهم دون تشتيت. وتحذر هلال من أن هذه الظاهرة مرشحة للتفاقم مع مرور الوقت إذا لم يُعاد ضبط العلاقة مع التكنولوجيا.
وتؤكد الدراسات أن المشكلة لا تكمن في الاستخدام المعتدل لوسائل التواصل الاجتماعي، بل في الإدمان عليها، وهو نمط سلوكي يشبه أنواع الإدمان الأخرى، حيث يشعر الفرد بالقلق والتوتر والعجز عند الابتعاد عن الهاتف أو المنصات الرقمية، سواء كان طفلًا أو بالغًا، ما يعكس مدى التعلق النفسي المتزايد بالعالم الافتراضي.
اندبندنت عربية



