لماذا يخشى الخليج “السقوط الحر” للنظام الإيراني؟

مع تصاعد الاحتجاجات في عشرات المدن الإيرانية، يراقب المحللون في دول الخليج الوضع عن كثب، وسط مزيج من القلق الاستراتيجي والمصالح الجيوسياسية المعقدة. معهد رصانة للدراسات الإيرانية يقرأ المشهد على أنه اختبار حقيقي للنظام، ويطرح سيناريوهات تتراوح بين الاحتواء وتخفيف حدة الاحتجاجات، وتقديم تنازلات اقتصادية وسياسية، وصولًا إلى تغيير تدريجي داخلي أو استنزاف طويل للنظام، بينما يبقى سيناريو الانفجار المفاجئ أقل احتمالاً.
القلق الخليجي من فراغ السلطة الإيراني
وفق محللين، تخشى العواصم العربية أن يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى خلق فراغ أمني واستراتيجي في المنطقة، يترك العرب وحدهم في مواجهة النفوذ الإسرائيلي المتزايد. إيران، رغم سياساتها التوسعية وميليشياتها، شكّلت ثقلاً موازنًا في ميزان القوى الإقليمي، وعليه فإن ضعفها قد يسمح لإسرائيل بالهيمنة دون رادع، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان.
التحليل الاستخباراتي يشير إلى أن القلق العربي لا ينبع من الحرص على استمرار النظام نفسه، بل من الخوف من الفوضى المؤقتة، التي قد تستثمر سياسياً لتبرير الإبقاء على النظام الحالي أو التأثير على المعارضة الإيرانية.
الاحتجاجات الإيرانية: شوارع طهران وموجة الغضب
بدأت الاحتجاجات في ديسمبر 2025، انطلقت من قلب العاصمة طهران بقيادة تجار “البازار”، وانتشرت بسرعة لتشمل أكثر من 60 مدينة في 25 محافظة. وحسب وكالة HRANA، قُتل ما لا يقل عن 62 متظاهراً، مع اعتقال 2200 شخص حتى الآن.
المحتجون هتفوا شعارات نادرة القوة، مثل: “الموت للديكتاتور” و”يحيا الشاه”، ما يعكس غضباً شعبيًا متأصلاً ورغبة واضحة في تغيير النظام، في ظل انقطاع شبه كامل للإنترنت ومحاولات السلطات للسيطرة على المشهد.
إيران والخليج: بين الاحتواء والواقعية السياسية
تعتمد دول الخليج سياسة الاحتواء بدل المواجهة المباشرة. فهي لا تمانع في إضعاف النظام الإيراني الذي استنزف المنطقة لعقود، لكنها تعمل على تعزيز قدراتها الذاتية والتحالفات البينية، لتجنب الوقوع في فخ التبعية المطلقة لإسرائيل في مرحلة ما بعد إيران.
وبحسب معهد كارنيغي، تجد دول الخليج نفسها اليوم بين “مطرقة إسرائيل وسندان إيران”. فغياب إيران قد يدفع إسرائيل نحو توسع غير مسبوق في العمق العربي، تحت ذريعة ملاحقة النفوذ الإيراني، مما يهدد السيادة العربية ويزيد التوتر في ملفات مثل القضية الفلسطينية ومناطق النفوذ النفطية.
المعارضة الإيرانية والسيناريوهات المستقبلية
تثير سيناريوهات دعم المعارضة الإيرانية من الخارج قلق الخليج، خوفًا من أن يصبح القائد الجديد وكيلًا للسياسات الإسرائيلية والدولية أكثر من كونه شريكًا وطنيًا حقيقيًا. ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى احتمال نشوء تحالفات إيرانية-إسرائيلية جديدة تشبه ما قبل 1979، مما يفاقم التحديات العربية ويضع المنطقة في موقف هش.
الضغط الأميركي والإسرائيلي على النظام
🔴تظاهرات ليلية عنيفة في طهران
◀️عبر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اليوم السبت عن دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني
◀️وكتب روبيو على منصة "إكس"، "الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع"
◀️وأفادت منظمة "نتبلوكس" غير الحكومية التي تراقب الإنترنت اليوم بأن حجب… pic.twitter.com/nEykNbe16Z
— Independent عربية (@IndyArabia) January 10, 2026
تستغل الولايات المتحدة وإسرائيل موجة الاحتجاجات للضغط على النظام الإيراني. مجلة أتلانتك أشارت إلى أن الرئيس الأميركي يمكنه “مساعدة الشعب الإيراني” عبر الدعم السياسي والاقتصادي والمعارضين الداخليين، في سيناريو يُشبه الضغط الذي مارسه ريغان على الاتحاد السوفياتي، لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر تصعيد غير محسوب.
الواقع الراهن: “الاحتواء المرن” والنفوذ الصيني
وفق معهد رصانة، يطبق النظام الإيراني استراتيجية الاحتواء المرن لتفادي الانفجار الشامل، عبر تقديم تنازلات اقتصادية محدودة وتوظيف خطاب قريب من الشارع، مع مراهنة على عامل الوقت لتفتيت الزخم الشعبي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تؤكد زيارة الرياض وطهران وبكين في اجتماع ثلاثي دعم تنفيذ اتفاق بكين 2023، مع تعزيز التواصل المباشر لمنع انفجار أزمات إقليمية، في ظل قلق خليجي من أن يؤدي انهيار إيران إلى مرحلة من الفوضى لا يمكن السيطرة عليها.
الطريق إلى المستقبل الإيراني
يرى محللون أن إيران في مطلع 2026 على مفترق طريق تاريخي. الاحتجاجات تمثل اختبارًا غير مسبوقًا للسلطة، لكنها أيضًا فرصة لإصلاح داخلي تدريجي إذا ما تعاملت القيادة مع الأزمة بحكمة. في المقابل، فإن التدخل الخارجي أو انهيار النظام قد يفتح المجال أمام نفوذ إسرائيلي غير محدود ويترك العرب في موقف دفاعي صعب.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يبقى تغييرًا تدريجيًا واستنزافًا للنظام مع إدارة حذرة للأزمة، بينما يبقى احتمال الانفجار المفاجئ أقل، لكن قابل للحدوث.
اندبندنت عربية



