معركة الشمال الشرقي لحلب السورية..جبهات مفتوحة وحسابات معقدة

تشهد المناطق الشرقية من محافظة حلب تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا، في ظل تحركات عسكرية متبادلة في محيط دير حافر وسد تشرين، دفعت وزارة الدفاع السورية إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وإعلان المساحة الممتدة بين دير حافر ومسكنة منطقة عسكرية مغلقة.
وتزامنت هذه الخطوات مع تبادل للاستهدافات العسكرية وتصاعد نشاط قوات سوريا الديمقراطية، وسط تحذيرات رسمية للمدنيين بضرورة الابتعاد عن مناطق التماس، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا التصعيد، وحدوده، والتوقيت الذي يجري فيه.
معركة دير حافر… مسألة وقت لا أكثر
مع ارتفاع منسوب التوتر في شمال سوريا، بات السؤال المطروح، وفق الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية ضياء قدور، لا يتعلق بإمكانية اندلاع المواجهة، بل بتوقيت انطلاقها. وأوضح قدور، في حديثه إلى برنامج “غرفة الأخبار” على قناة سكاي نيوز عربية، أن عاملين رئيسيين يحددان الإطار الزمني للمعركة المرتقبة: الظروف الجوية وحجم التحشيد العسكري لدى الطرفين.
وأشار إلى أن البلاد تشهد حاليًا منخفضًا جويًا مصحوبًا بالأمطار، ما يجعل تنفيذ عمليات برية واسعة على جبهات مفتوحة أمرًا صعبًا في المرحلة الراهنة.
وفي الوقت نفسه، يعمل الطرفان على تعزيز قدراتهما العسكرية؛ إذ لفت قدور إلى أن قوات سوريا الديمقراطية استقدمت أعدادًا كبيرة من المقاتلين، من بينهم عناصر كانوا ينتمون سابقًا إلى فلول النظام السابق، إضافة إلى أكثر من 60 آلية عسكرية ثقيلة. وفي المقابل، عزز الجيش السوري انتشاره بآليات ثقيلة وحشد ما يُقدّر بأكثر من خمس فرق عسكرية، في مؤشر على استعدادات واسعة لعملية محتملة.
تحديات ميدانية وجغرافية معقّدة
ويرى قدور أن معركة دير حافر تختلف جذريًا عن المواجهات السابقة في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، التي كانت محصورة ضمن جيوب أمنية داخل مناطق سكنية مكتظة.
فدير حافر ومسكنة تمثلان جبهات مفتوحة، ما يضاعف من تعقيدات العمليات العسكرية، لا سيما أن المنطقة تضم منشآت حيوية واستراتيجية، مثل محطات المياه والكهرباء.
وفي هذا السياق، أشار الباحث إلى أن الجيش السوري اعتمد نهجًا مختلفًا يقوم على إتاحة المجال لخروج المدنيين قبل بدء أي عمليات عسكرية، عبر الطريق الدولي “إم 15” الواصل بين دير حافر ومدينة حلب، معتبرًا ذلك مقاربة جديدة تهدف إلى تقليص الخسائر الإنسانية وإدارة الصراع بأسلوب أكثر احتواءً.
الجاهزية النفسية لقوات قسد
وأوضح قدور أن وجود قوات سوريا الديمقراطية في دير حافر حديث نسبيًا، إذ لم تكن المنطقة ضمن نطاق سيطرتها التقليدية، بل دخلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد دون مقاومة تُذكر.
وبحسب تقديره، فإن هذا الواقع حال دون بناء تحصينات دفاعية قوية شبيهة بتلك الموجودة في مناطق شرق الفرات، ما يقلل من قدرة قسد على الصمود في مواجهة هجوم منظم للجيش السوري.
كما شدد على أهمية العامل النفسي في هذه المعركة، مشيرًا إلى أن قسد تلقت ضربة معنوية قاسية خلال المواجهات في الشيخ مقصود والأشرفية، وتحاول حاليًا التعويض عبر إدارة الخسائر وتأخير الهزائم.
لكن الباحث اعتبر أن طبيعة الجبهات المفتوحة في دير حافر لا تمنح قسد هامش المناورة ذاته الذي تمتعت به داخل الأحياء السكنية، مستشهدًا بقيامها بتفجير جسور تربط مناطق سيطرتها بمناطق الحكومة قبل أيام، في محاولة لعرقلة تقدم الجيش السوري لأطول فترة ممكنة، وهو ما يعكس محدودية جاهزيتها الدفاعية.
عمليات عسكرية بغطاء إنساني وسياسي
وصف قدور العمليات التي نفذها الجيش السوري حتى الآن بأنها عمليات “منضبطة”، تمزج بين الأبعاد العسكرية والإنسانية، دون أن تترتب عليها إدانات دولية أو إقليمية، رغم محاولات قسد التأثير على المشهد الإعلامي والميداني.
وأشار إلى نجاح الجيش في إجلاء عشرات الآلاف من المدنيين من حي الشيخ مقصود، ثم إعادتهم لاحقًا إلى منازلهم، ما يعكس قدرة واضحة على إدارة المواجهات في مناطق ذات كثافة سكانية عالية.
كما لفت إلى البعد السياسي للصراع، معتبرًا أن رفع الغطاء الأميركي عن قسد شكّل نقطة تحول أساسية، إذ أدى إلى تراجع قدرتها على الصمود في مناطق سيطرتها التقليدية، وزيادة احتمالات انسحابها كلما غاب هذا الدعم. ويرى قدور أن هذه المتغيرات تعكس تحولات استراتيجية في موازين القوى، وتضفي بعدًا سياسيًا حاسمًا على المعركة المرتقبة في دير حافر.
سكاي نيوز



