الاخبار

تحقيق لصحيفة أميركية: الجيران والأقارب والأزواج مخبرون في دولة الأسد

في تحقيق استقصائي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، استند إلى آلاف الصفحات من وثائق المخابرات العسكرية السورية التي عُثر عليها عقب سقوط نظام بشار الأسد وفراره إلى روسيا في ديسمبر/كانون الأول 2024، ظهرت تفاصيل صادمة عن شبكة مراقبة وترهيب اعتمدت على “الوشاية” كأداة رئيسية للحكم، ما زرع الشك والخوف بين السوريين حتى داخل البيوت والعائلات.

إحدى أبرز القصص التي كشفتها الوثائق تتعلق بالشيخ عبدو خاروف، إمام وخطيب جامع الإخلاص في دمشق، الذي اعتُقل في يوليو/تموز 2020 بعد استدعائه للتوسط في نزاع عائلي. لم يعد إلى منزله بعدها، وتوفي في أحد أقبية التحقيق التابعة لفرع أمني وسط العاصمة، دون أن تتسلم أسرته جثمانه.

الملف الأمني أشار إلى أن اعتقاله جاء بناءً على شهادة ابن عم بعيد، محمود خاروف، الذي كان قد قاتل مع المعارضة. وبحسب الوثائق، أُدرج اسم الإمام خلال استجواب محمود، لكن الأخير أنكر لاحقاً أنه ذكر اسمه، مؤكداً أنه تعرض للتعذيب وأُجبر على توقيع اعترافات لم يقرأها. رغم ذلك، بقيت العائلة مقتنعة بضلوعه في الوشاية حتى ظهور الوثائق.

شبكة تجسس داخل المجتمع
التحقيق يوضح أن المخابرات السورية لم تكتف باستهداف الناشطين والمقاتلين، بل امتدت رقابتها لتشمل موظفي الأمم المتحدة وزواراً دبلوماسيين وحتى العلاقات الأسرية. من الأمثلة الصادمة، قضية الممثل فراس الفقير الذي سجلت زوجته انتقاداته للنظام داخل المنزل، ثم سلّمت التسجيلات للأجهزة الأمنية واستخدمتها ضده في نزاع طلاق.

فرع 215 في قلب آلة القمع
الوثائق تضع فرع المخابرات العسكرية 215 في مركز منظومة القمع، حيث وُصفت زنزاناته بأنها متاهة من التعذيب والوفيات اليومية، مع آثار صدمات كهربائية وحروق وضرب على الجثث. وتشير تقارير حقوقية إلى أن أكثر من 160 ألف شخص اختفوا قسرياً منذ عام 2011، كثير منهم دفنوا في مقابر جماعية.

بعد سقوط النظام: أسئلة بلا إجابات
بعد مرور عام على سقوط الأسد، يبقى السؤال الأبرز: من وشى بمن؟ وكيف يمكن لسوريا أن تستعيد الثقة في مجتمع صاغه الخوف والرقابة؟ الحكومة الجديدة أعلنت نيتها فتح تحقيق في انتهاكات النظام السابق، لكن مراقبين يرون أن تحقيق العدالة الشاملة سيظل تحدياً كبيراً.

تظهر الوثائق كيف تجسست فروع مخابرات الأسد الأربعة الرئيسية على الناشطين والناشطات السلميين وعلى المقاتلين وعلى من يزور البلد من الدبلوماسيين والدبلوماسيات، وعلى موظفي الأمم المتحدة، بل حتى على بعضهم بعضاً، وورد في تلك الوثائق ما اعتبره هؤلاء جرائماً مثل حمل مبالغ بالدولار الأميركي، وامتلاك بطاقات هواتف غير مسجلة، وأي حديث مناهض للحكومة حتى لو كان في جلسة خاصة.

خط ضباط المخابرات مذكرات حول مكالمات هاتفية جرى التجسس عليها، وكتبوا آلاف الصفحات من التقارير حول أنشطة المعارضة، كما وصلتهم تقارير من فروع أمنية أخرى ومن شبكات الجواسيس التي بثوها في البلد، وفي الشرق الأوسط، وفي أوروبا أيضاً. وشملت الوثائق اعترافات انتزعت من الأشخاص تحت التعذيب، وهذا ما تأكدت منه صحيفة الوول ستريت جورنال من خلال مقابلات أجرتها مع الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في تلك الوثائق.

فمن بين الحالات التي وردت في الوثائق والتي تحققت منها الصحيفة قضية الممثل المعروف الذي طلبت منه زوجته تأجيل موضوع الطلاق، وأخذت تسجل له محادثاته من دون أن يشعر، وقضية الجاسوس الذي جنده النظام ليراقب عن كثب المؤتمر الدبلوماسي الذي عقد في براغ، وقضية أحد المراهقين الذين تعرضوا للتعذيب إلى أن كذب واعترف بانضمامه لإحدى الجماعات المسلحة.

ظهر اسم فيصل عيتاني وهو محلل سياسي سوري-لبناني في تلك الوثائق وذلك لأنه لعب دوراً في تنظيم مؤتمر براغ، ويخبرنا هذا الرجل بأنه كبر ولديه إحساس دائم بمراقبة المخابرات السورية له ولكل ما يحيط به، ويقول: “كانوا موجودين على الدوام، ولهذا لا أصدق تماماً بأن النظام لم يعد له أي وجود، لأن الأمر أشبه بخسارة صديق أكرهه، اختفى بعد مرور ثلاثين سنة على معرفتي به”.

تظهر الوثائق أيضاً بأن عملاء مخابرات الأسد كانوا يشجعون السوريين على كتابة التقارير ضد بعضهم، ما خلف إرثاً من الريبة وانعدام الثقة.

خيانة زوجية
فراس الفقير، ممثل صاحب صوت جهوري، أيد المظاهرات ضد نظام الأسد في بداياتها، ووقع على بيان الفنانين الذي طالب الحكومة بإجراء إصلاحات، غير أنه تراجع عن ذلك عندما قمع النظام الثورة بكل وحشية، وتابع عمله في مبنى التلفزيون السوري الرسمي حيث مثل مسلسلات اجتماعية لموسم رمضان، كما ظهر في برنامج حواري صباحي.

غير أنه كان ينفس عن غضبه إزاء الحكومة في بيته أمام زوجته، حلا ديب، إذ في إحدى الحوارات التي جمعته بزوجته وأمها أثناء تناول طعام العشاء في مطلع عام 2020، انتقد بشدة اعتماد الدولة على روسيا، والأعطيات التي يقدمها الأسد للنخب التي تعمل في التجارة بالبلد.

في ربيع عام 2020، طلبت حلا الطلاق فجأة، حسبما أخبرنا، وخلال فترة إقامتها بالقرب من أهلها في مدينة طرطوس الساحلية خلال فترة تفشي جائحة كوفيد-19، أرسلت إليه برسالة صوتية أسمعته فيها ما سجلته له بالسر من انتقاد لاذع للدولة، وطلبت منه مالاً، ثم هددته بإرسال التسجيلات للمخابرات.

تظهر وثائق المخابرات بأن حلا قامت بعد فترة قصيرة بتسليم ما لا يقل عن تسجيل واحد للمخابرات فعلاً، ففي تقرير مؤرخ في تموز 2020، ورد بأن المخابرات العسكرية بلغتها معلومات بأن الفقير يتحدث ضد الحكومة في بيته، وعدد ذلك التقرير الأمور التي ينتقدها الفقير بالنظام. كم ورد فيه بأن زوجته طلبت الطلاق “لأنها لا تتحمل الكلام الذي يسيء للقيادة السياسية العليا”.

تقرير حلا ضد زوجها

 

وجه فرع الأمن أحد مصادره ليقنع حلا بتأجيل مسألة الطلاق حتى تتمكن من جمع معلومات أكثر عن الممثل بحسب ما ورد في الوثيقة.

وفي أواخر ذلك الصيف، التقى الفقير بحلا وعائلتها للمرة الأخيرة من دون أن يعلم بأمر التقرير السري، لكنه كان يشعر بأنه أصبح تحت المراقبة. ويتذكر بأن حلا سألته في ذلك اللقاء: “لماذا تتكلم ضد الرئيس؟” فما كان من الفقير إلا أن أنكر انتقاده للحكومة.

 

 

 

 

وبعد أسابيع قليلة على ذلك اللقاء، استدعاه مديره إلى مكتبه، حيث كان ضابط مخابرات بانتظاره، فأخبره الفقير بأن زوجته رفعت ضده شكوى مغرضة، فما كان من الضابط إلا أن سجل ملاحظاته وانصرف.

بعد ذلك أتى رجال الأمن مرتين على الأقل ليحققوا معه، وكان الفقير في تلك الفترة لا يبارح شقته مخافة أن يتم اعتقاله إن ذهب إلى عمله. ثم لاح بصيص أمل عندما عرض عليه طبيب عسكري سبق أن أجرى مقابلة معه في أحد البرامج التلفزيونية التوسط لدى رجال المخابرات. وتبددت مخاوف الفقير في نهاية الأمر بعد مرور أشهر من دون أن يتم اعتقاله.

في ساعة متأخرة من ليالي هذا الشهر، قرأ الفقير الذي أصبح مطلقاً عمره 47 سنة اليوم ما ورد في ملف المخابرات عنه، وذلك أثناء جلوسه بالقرب من بركة ماء تتوسط الباحة الحجرية لأحد الفنادق الدمشقية، فعلق على ذلك بقوله: “أصعب شيء في الوجود أن يطعنك من الخلف الشخص الذي يحبك، والذي هو زوجك”.

أما حلا التي انتقلت للعيش في دبي، فقد رفضت التعليق على الموضوع.

تحولت تلك الوثائق التي راجعتها الصحيفة إلى صيغة رقمية بعد أن وصلتها من عدة شعب للمخابرات الموجودة ضمن أحد المباني الأمنية بدمشق، ومن بينها فرع المخابرات العسكرية 215، حيث كان الضباط يعذبون السجناء ويعدمونهم ضمن حملة النظام الساعية لخنق روح الثورة لدى السوريين المعارضين للأسد، وذلك بحسب ما أوردته منظمات حقوقية وشهود ومسؤولون سابقون لدى النظام البائد.

تعرض عدد كبير من السوريين والسوريات العاديين لعمليات التجسس تلك وذلك بحسب الوثائق التي جرى الكشف عنها والتثبت من صحة ما ورد فيها من خلال المقابلات، فكان من بين من تعرضوا للتجسس أحد أعضاء منظمة الدفاع المدني الشهيرة المعروفة باسم الخوذ البيضاء، والذي كان يقيم بالقرب من مدينة حمص، إلا أن التجسس أودى به للحبس لسنوات أمضى خلالها فترة في سجن صيدنايا المريع، كل ذلك بسبب عمله مع تلك المنظمة التي تقدم خدمات الإنقاذ وتنشط في المناطق التي تخضع لسيطرة الثوار.

وممن تعرضوا للتجسس أيضاً مسؤول سابق لدى البلدية كان يقيم بالقرب من مدينة حماة، فهذا الشخص رفع فيه تقرير للمخابرات فقط لأنه نشر على وسائل التواصل الاجتماعي فحوى مكالمة فيديو ممتعة أجراها مع أقاربه خارج البلد، إذ كان ذلك التصرف يعتبر لدى النظام مؤشراً على وجود علاقات مع معارضين سياسيين.

تظهر مجموعة من الملفات عمليات التجسس الموسعة التي كان النظام يطبقها على عمليات الأمم المتحدة في سوريا، إذ كان يسجل تحركات موظفي الأمم المتحدة ونشاطاتهم، ففي تقرير يعود لعام 2014، ورد ذكر زيارة وفد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أحد مراكز الإيواء في حلب، وفيه وردت أسماء وأرقام هويات كل عضو في ذلك الوفد المؤلف من أربعة أشخاص، إلى جانب اسم الفندق الذي أقاموا فيه، ومعلومات عن سياراتهم.

علقت على ذلك رئيسة الوفد يوكو أكساكا، وهي مسؤولة رفيعة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنها في إجازة من العمل فيها اليوم، فقالت بإن الملف يؤكد شكوكها بأنها كانت تخضع لمراقبة مستمرة طوال فترة عملها في سوريا، وأضافت: “أحس حتى اليوم بأن أحداً يسترق السمع إلى حديثكم معي أو حديثي إليكم”.

داخل متاهة الأنفاق التي أقيمت تحت الفرع 215، كان ضباط المخابرات يجمعون الناس الذين اعتقلوهم ليوزعوهم على زنازين بلا نوافذ مبنية من الإسمنت، وذلك بحسب ما ذكره معتقلون سابقون. كما يحتوي هذا السجن على زنازين كالقبور مخصصة للحبس الإنفرادي، إلى جانب زنازين أخرى تتناثر فيها بقايا من شعر وبقع دماء وفوارغ رصاص رآها فريق صحيفة الوول ستريت جورنال عند زيارته لذلك السجن بعد سقوط النظام.

في مقابلة أجريناها مع علي حمدان، 47 عاماً، وهو المسؤول العسكري السابق عن الطب الشرعي، لكنه أصبح اليوم يتعاون مع المحققين الدوليين في الكشف عن جرائم الحرب، ذكر هذا الرجل بأن الشعبة التي كان يتبع لها كانت تسجل ما بين ثلاث إلى عشرة وفيات تخرج كل يوم من الفرع 215، وذلك خلال الفترة ما بين 2012-2015.

معظم تلك الجثث كانت تخرج مهشمة الجمجمة، وتظهر عليها آثار حروق وصعقات كهربائية حسب قوله، كما أن صور الطب الشرعي للقتلى من المعتقلين والتي هربها شخص من سوريا وشى بهؤلاء أثناء الحرب، تثبت بأن معظم الجثث آتية من الفرع 215، بما أن اسم هذا الفرع كتب عليها.

الثائر اليافع
في تقرير آخر كشفته الصحيفة بعد أن عثر عليه بجانب قارورة ويسكي فارغة متروكة على طاولة مكتب بعثرت فوقها أشياء كثيرة، ورد ذكر قصة المراهق محمود الهاماني الذي ظهر مرتدياً سترة رياضية في الصورة المرفقة بالتقرير.

ذكر فرع المخابرات في تلك الوثيقة بأنه اعتقل ذلك الشاب في عام 2014 عندما كان عمره 17 عاماً، وذلك بتهمة الانضمام إلى جماعة مسلحة، وبحسب ما ورد في الملف، فإن هذا الفتى وقع على اعتراف خطي أقر فيه بأنه رمى صواريخ على عناصر الأمن، وشارك بمراقبة مواقع عسكرية تتبع للنظام لصالح الثوار، فأطلق سراحه بعد ذلك.

 

هذا وبقيت المخابرات السورية تراقب ذلك الفتى على مدى فترة طويلة من السنوات العشرة الماضية، بحسب ما ورد في ذلك التقرير.

تعرفت صحيفة الوول ستريت جورنال على مكان الهاماني اليوم الذي مايزال هزيلاً حتى بعد بلوغه الثامنة والعشرين، إذ أصبح يخدم لدى قوات الأمن التي تتبع للحكومة السورية الجديدة، حيث يناوب لفترات طويلة في الحراسة وسط المدينة وما يزال يقيم مع أسرته في ضاحية تسكنها الطبقة العاملة بالقرب من دمشق.

بعد أن تصفح النسخة الرقمية من ملفه عبر حاسوبه المحمول، أشعل الهاماني لفافة تبغ وسرد قصته بعيداً عن الورق، إذ خلال فترة من الفترات، عاشت مدينته حصاراً على يد قوات النظام بعد أن اقتحمتها إحدى جماعات الثوار، فاعتقله رجال الأمن وألقوا به في مؤخرة شاحنة واقتادوه إلى الفرع 215.

 

وهناك، جرده الضباط من ثيابه حتى أصبح عارياً تماماً، ثم علقوه من معصميه وصاروا يصعقونه بالكهرباء حسب قوله، ثم اتهموه بالتعاون مع قائد الثوار ملاذ سلوم، قائد فرع المنطقة التابع للجيش السوري الحر، وسألوه: “إن رأيت أمامك جندياً سورياً، فهل ستقتله؟”

وبحسب ما سرده الهاماني، فإنه استسلم بعد أربعة أيام، وبصم على اعتراف خطي لم يسمحوا له بقراءته. وفي تلك الوثيقة التي حفظت داخل مجلد وردي اللون، اعترف الهاماني بمساعدة ميليشيا السلوم من خلال مراقبة مواقع للنظام، كما ورد في الوثيقة قوله: “في الحقيقة إنني معارض للنظام الحاكم”.

يخبرنا الهاماني بأن الاعتراف كله كذب، إذ لم يكن له أي دور في الثورة المسلحة، كما ذكر بأنهم أطلقوا سراحه لأن شقيقه دفع لهم رشوة مقابل ذلك، في حين ورد في الوثائق بأن القضية لم تخضع للمحاكمة لعدم توفر أدلة.

غادر سلوم قطاع دمشق في عام 2016، بعد أن وقع على هدنة مع النظام مقابل وصوله بسلام إلى الشمال السوري حيث كان الثوار يسيطرون، لكنه عاد إلى دمشق في هذا العام، ليستقر في بيت ابن عمه بعد مرور قرابة عقد على غربته في الشمال ثم في إسطنبول، ويتذكر كيف تناهى إليه خبر الهاماني الذي كان يافعاً وصغيراً على الحرب وعنه قال: “كان دون الثامنة عشرة، ولهذا لم أسلمه بارودة”.

 

وبعد أن علم بأمر ملف المخابرات من خلال صحيفتنا، قاد سلوم، 45 عاماً، سيارته ليصل إلى بيت الهاماني ويسأله: “لماذا أعطيت اسمي للمخابرات؟”

فرد عليه: “كانوا يضربونني، ولهذا كنت على استعداد للإدلاء بأي شيء حتى يكفوا عني الضرب”.

نظر سلوم إلى ذلك الشاب بريبة، ثم عاد إلى سيارته وقفل راجعاً، بعد أن خلص إلى نتيجة مفادها بأن الهاماني كان متعاوناً مع المخابرات من وجهة نظره.

العثور على إجابات
في بداية الثورة، ساند الإمام خاروف، كمعظم الناس، الحراك ضد الأسد عند اندلاعه، وذلك بحسب ما ذكره أهله، لكنه انكفأ عندما أضحت الانتفاضة عنيفة، وأخذ يدعو في خطبه إلى الكف عن شن هجمات تستهدف الحكومة، كما منع أبناءه الثلاثة من الانضمام لجماعات مقاتلة.

في عام 2014، وقع الشيخ مع الحكومة على تسوية وافق من خلالها على التخلي عن النشاط الثوري مقابل حصوله على عفو، فصار يحمل أوراق التسوية معه إلى أي مكان يذهب إليه بعد أن احتفظ بها مطوية داخل جيب قميصه درءاً لأي مشكلة يمكن أن يتعرض لها، وذلك بحسب ما ذكره أولاده.

بعد انقطاع قسري لعام واحد، عاد خاروف للعمل لدى وزارة الأوقاف الدينية السورية، وذلك عبر إلقاء خطب دينية على حشود المصلين توافق على فحواها الوزارة. أما في الليل، فكان يشجع مع أولاده فريق كرة القدم الذي يحبه، ريال مدريد، داخل بيتهم الإسمنتي المؤلف من طابق واحد. غير أنه اعتقل في تموز عام 2020، وهذا ما أصاب الأسرة بصدمة كبيرة، فاتصل الأبناء بعمهم الذي كانت له علاقات مع فروع الأمن بما أنه ساعد خاروف على استخراج أوراق العفو قبل سنة على ذلك، إلا أن ذلك العم لم يستطع فعل أي شيء حسبما ذكر.

مضت أسابيع على اعتقال خاروف من دون أن يصل لأسرته أي خبر عنه. وفي أيلول التالي، زارت زوجته مكتب السجل المدني، فسلمها الموظفون وثيقة اطلعت عليها الصحيفة كونها تثبت وفاة خاروف منذ أواسط آب 2020، إلا أن السلطات رفضت تسليم جثته.

فيما بعد أخبرهم أحد معارفهم ممن كانوا معتقلين في السجن نفسه خلال الفترة نفسها بأنه رأى الإمام وهم يضربونه بجنزير إلى أن فارق الحياة، غير أن الصحيفة لم تستطع التحقق من سبب وفاة الإمام بصورة مستقلة.

ورد في وثائق المخابرات العسكرية والتي تعود لشهر تموز 2020، ذكر عملية استجواب أجريت مع ابن عم الإمام، محمود خاروف، والذي اعترف بالمشاركة في الثورة المسلحة، وأخبر المحققين بأن الإمام تعاون مع الثوار عبر منحهم فتوى دينية تجيز لهم تنفيذ عمليات إعدام، وذلك خلال الأيام الأولى من الحرب. كما أوردت الوثيقة عن خاروف بأنه: “كان أحد مؤيدي الحركة الإرهابية المسلحة منذ بداية الأحداث الجارية في البلد”.

مايزال ابن العم، محمود خاروف، يعيش بيت واطئ ضمن الشارع المليء بالطين والوحل والقريب من بيت ابن عمه، على الرغم من أن العائلتين قطعتا التواصل مع بعضهما.

 

وفي مقابلة أجريت معه، أنكر محمود ذكر اسم الإمام، حتى خلال جولة التعذيب التي أجبروه فيها على التوقيع على اعتراف جاء فيه بأنه حارب إلى جانب الثوار. إلا أنه أخبرنا بأن رجال الأمن ضربوه بأنبوب بلاستيكي أخضر على ساقيه بعد أن حشروه في قبو في الفرع 215، ثم وضعوا عصابة على عينيه، ولهذا لم يستطع قراءة ما وقع عليه إلى أن دفع إليه أحد القضاة بتلك الوثيقة في جلسة استماع بالمحكمة، وقد أصبحت مشيته عرجاء بسبب الضرب الذي تعرض له، وهذا ما دفعه إلى القول: “لقد دمر النظام حياتي كلها” ثم انفجر بالبكاء.

أما الأسرة المباشرة لعبدو خاروف فقد ذكرت بأنها تصدق وثائق المخابرات بعد أن شكت طويلاً بأمر ابن العم الذي خانهم، كما أضافوا بأن الإطلاع على تلك السجلات جعلهم يشعرون بأن القضية قد وصلت إلى نهايتها، إذ قال محروس خاروف وهو الابن الأكبر للإمام: “أصبحنا نعرف اليوم ما حدث، إذ كنا ننتظر دليلاً بأن هذا الشخص كان السبب في موته”، ويردف بالقول: “أحس بالارتياح الآن”، وهو يفكر بحياة أبيه، ويتابع: “تأكدنا اليوم أنه لم يقترف أي ذنب”.

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى