أميركا و”الجوزة غير القابلة للكسر” : وحدة سورية ليست ثابتاً

لم يكن اللقاء الشهير الذي جمع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد الأميركي “كوينسي” عام 1945 مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل شكّل، في دلالاته العميقة، تعبيراً مبكراً عن النظرة الأميركية إلى الشرق الأوسط.
ففي ذلك اللقاء، رفض روزفلت طلب الملك السعودي إشراك الرئيس السوري آنذاك شكري القوتلي، في مؤشر واضح إلى أن سورية كانت خارج حسابات التأثير الكبرى في العقل السياسي الأميركي في تلك المرحلة.
لكن هذه النظرة تغيّرت لاحقاً، إلى حد وصف هنري كيسنجر لسورية بأنها “اللغز المعقّد الذي لا يُكسر”، معتبراً أن السبيل لإخضاعها لا يكون إلا بتفتيتها إلى كيانات أصغر، ضمن مقاربة استراتيجية رأت في وحدة سورية عائقاً أمام المصالح الغربية. ورغم أن هذه الفكرة ظلّت راسخة في دوائر صنع القرار الأميركي لعقود، فإن الوقائع الإقليمية منذ حرب 1967 وحتى مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، جعلت تنفيذها أمراً بالغ الصعوبة.
بدايات العلاقة بين واشنطن ودمشق
تعود أولى محاولات التواصل السوري مع الولايات المتحدة إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين لجأ الأمير فيصل بن الحسين إلى الرئيس الأميركي وودرو ويلسون طلباً للدعم في سبيل استقلال سورية، مستنداً إلى المبادئ التي رفعها الأخير حول حق الشعوب في تقرير مصيرها.
غير أن هذه المحاولة اصطدمت بالواقع السياسي، ولم تحظَ بأي دعم فعلي، خاصة مع دخول ويلسون في مرحلة المرض ثم وفاته.
وعلى الرغم من ذلك، بقيت لدى السوريين قناعة مشوبة بالأمل تجاه الولايات المتحدة، خصوصاً بعد مواقف أميركية مؤيدة لإنهاء الانتدابين الفرنسي والبريطاني عقب الحرب العالمية الثانية.
الانقلابات والحرب الباردة
مع حصول سورية على استقلالها، وقعت في قلب الصراع الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي.
وخلال سنوات قليلة، شهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي ارتبطت، وفق وثائق لاحقة، بعوامل أبرزها مصالح النفط الأميركية عبر خط التابلاين، وقيام “إسرائيل” كذراع غربية في المنطقة.
وقد رأت واشنطن آنذاك أن المنطقة الممتدة من الشام إلى العراق هي نواة لقوة عالمية محتملة، ما دفعها إلى السعي نحو احتواء هذه الجغرافيا عبر مشاريع سياسية واستراتيجية، أبرزها مشروع آيزنهاور.
من الشك إلى القطيعة
ورغم إدراك دمشق لاحقاً لطبيعة المصالح الأميركية البحتة، فإن العلاقات لم تتدهور بشكل حاد إلا بعد إسقاط الوحدة مع مصر عام 1961، وهو حدث نُظر إليه داخلياً على أنه جرى بلعبة إقليمية – دولية شاركت فيها واشنطن.
هذا التطور مهّد لصعود التيارات القومية، وعلى رأسها حزب البعث، إلى الحكم، فيما دخلت العلاقات مرحلة جمود طويلة بعد نكسة 1967.
ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، انتهج سياسة مرنة تقوم على إدارة التناقضات الدولية بدلاً من الانخراط الكامل مع أي محور.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك دخوله إلى لبنان عام 1976، بدعم أميركي ضمني، رغم رفض موسكو، وهو ما عكس وجود قبول غربي لدوره الإقليمي في تلك المرحلة.
الحصار السياسي والعقوبات
لكن مع رفض دمشق لاتفاقية كامب ديفيد، عادت الولايات المتحدة لتقييد سورية، عبر إدراجها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979، وهي خطوة تحولت لاحقاً إلى أداة ضغط دائمة.
وبرغم ذلك، لم تنقطع قنوات التواصل بالكامل، بل شهدت العلاقة لحظة تقارب قصيرة عام 1990، حين شاركت سورية في التحالف الدولي ضد العراق.
غير أن أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من غزو العراق، أعادت التوتر إلى الواجهة بقوة.
مرحلة “كسر الجوزة”
في السنوات اللاحقة، تصاعد الضغط الأميركي من خلال تحجيم الدور السوري في لبنان، ولاحقاً عبر القرار الدولي 1559.
ورغم تصريحات رسمية أميركية عن عدم السعي لإسقاط النظام، فإن المساعي كانت واضحة لتغيير سلوك دمشق.
ومع انطلاق الاحتجاجات عام 2011، رأت واشنطن أن الفرصة سانحة لإعادة تشكيل سورية سياسياً، لكنها أعادت تقييم موقفها لاحقاً، بعدما بدا أن البدائل المطروحة قد تكون أكثر تعقيداً من النظام القائم نفسه.
أهداف واشنطن اليوم
في المرحلة الحالية، يبدو أن الولايات المتحدة تسير في اتجاه مسارين متوازيين: الدفع نحو تفكيك الداخل السوري، والضغط لإعادة رسم العلاقة مع إسرائيل بما يخدم مشروعاً إقليمياً أكبر، يتجاوز فلسطين نفسها.
ورغم الحديث الأميركي المتكرر عن “وحدة سورية”، إلا أن السياسات الفعلية توحي بعكس ذلك، في ظل سعي ظاهر لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة بما يضمن المصالح الأميركية على المدى الطويل.
الأخبار



