الاخبار

قصة عمر أومسين.. من أزقة نيس إلى زعامة الفرنسيين خلف الأسوار في إدلب

انتهت الأزمة التي اندلعت خلال الأيام الماضية بين جماعة “الغرباء” الجهادية في ريف إدلب الشمالي والحكومة السورية، بعد توتر أمني استمر عدة أيام وشهد تبادلاً لإطلاق النار وقصفاً استهدف مخيم الجماعة ومقاتليها وعائلاتهم.

وبحسب مصادر ميدانية، فقد جرى التوصل إلى اتفاق يقضي بتحويل قضية النزاع – التي بدأت بسبب خلاف حول حضانة طفلة اتُّهمت الجماعة باختطافها – إلى القضاء الشرعي التابع لوزارة العدل، ما أنهى حالة الاستنفار التي عاشتها المنطقة.

لقاء ثلاثي لوقف التصعيد

الاجتماع الذي أفضى إلى الهدنة ضمّ كلاً من زعيم الجماعة عمر أومسين (المعروف بعمر ديابي)، وممثل الحكومة السورية أبو عبدو طعوم، إضافة إلى ممثلين عن المقاتلين الأجانب يتقدمهم “أبو أنس طاجيك” و”عبدالعزيز أوزبك”.

الاتفاق شمل وقف إطلاق النار، ووقف الحملات الإعلامية بين الجانبين، ما أعاد الهدوء إلى مخيم “الفردان” أو ما يُعرف بـ”مخيم الفرنسيين” قرب مدينة حارم شمالي إدلب.

من أزقة نيس إلى قيادة “الغرباء”

ولد عمر أومسين (ديابي) عام 1976 في العاصمة السنغالية دكار لأب سنغالي وأم فرنسية من أصول إفريقية، قبل أن ينتقل صغيراً مع أسرته إلى حي لارْيان (L’Ariane) الفقير في مدينة نيس جنوب فرنسا، حيث اشتهر هناك في التسعينيات بشخصيته الصلبة وسجله الإجرامي.

دخل السجن عدة مرات بتهم تتعلق بالسطو المسلح والقتل، وتورط عام 2003 في سرقة جريئة لمتجر مجوهرات في موناكو، وهي الحادثة التي شكّلت بداية تحوّله الأيديولوجي داخل السجن نحو الفكر السلفي.

بعد الإفراج عنه، ظهر بمظهر “المتدين التائب”، وافتتح مطعماً صغيراً للوجبات السريعة في نيس تحوّل تدريجياً إلى مركز دعوي لتجنيد الشباب، عبر تقديم الطعام مجاناً وتنظيم لقاءات شبابية.

سلسلة “19HH”: من الدعوة إلى التجنيد

في عام 2012، أطلق أومسين سلسلة فيديوهات دعائية تحت اسم “19HH” (في إشارة إلى منفذي هجمات 11 سبتمبر)، مزجت بين مقاطع سينمائية ومؤثرات موسيقية وخطاب ديني حماسي.

هذه المقاطع التي انتشرت على “يوتيوب” و”ديلي موشن” كانت بمثابة بوابة الاستقطاب الأكبر للشباب الفرنسيين نحو سورية، وفق ما أكده مركز الوقاية من الانحرافات الدينية في باريس.

كان أومسين يكتب ويخرج ويروي بنفسه هذه المواد، ما منحه شهرة واسعة في الأوساط الجهادية.

تأسيس جماعة “الغرباء”

وصل أومسين إلى سورية عام 2013، حيث انضم أولاً إلى جبهة النصرة الموالية لتنظيم القاعدة، لكنه سرعان ما انفصل عنها وأسس جماعة الغرباء التي ضمت عشرات المقاتلين الفرنسيين والبلجيكيين.

قاتلت الجماعة في جبال اللاذقية وإدلب وجسر الشغور وحلب، لكنها تجنبت الدخول في الصراعات الداخلية بين الفصائل، مؤكدة أن هدفها “تطبيق الشريعة عبر التعليم لا السيف”، كما قال أومسين في أحد تسجيلاته.

وفي عام 2015، ترددت أنباء عن مقتله في غارة جوية، قبل أن يتبين لاحقاً أن الأمر مجرد خدعة إعلامية دبرها بنفسه للتمويه أثناء تلقيه العلاج في الخارج، ما زاد من هالته الأسطورية بين أتباعه.

“مخيم الفرنسيين”: مجتمع مغلق تحت قيادة صارمة

أسس أومسين في ريف حارم مخيماً خاصاً للمقاتلين الأجانب وعائلاتهم، محاطاً بسور عالٍ وكاميرات مراقبة، وفرض نظاماً داخلياً دقيقاً يشمل قوانين الحياة اليومية والعقوبات الدينية والاجتماعية.

أنشأ المخيم صندوقاً مالياً مشتركاً لتغطية نفقات الأسر وتمويل البنى التحتية مثل حفر بئر مياه وبناء عيادة صغيرة ومدرسة قرآنية.

ورغم طابعه الديني المتشدد، فإن الحياة اليومية داخل المخيم تحمل سمات “مدنية” نادرة، من ورش النجارة والحدادة إلى ملاعب كرة القدم.

اعتقال أومسين على يد “تحرير الشام”

في أيلول/سبتمبر 2020، اعتقلته هيئة تحرير الشام بتهمة إنشاء إدارة مستقلة داخل مناطقها، تشمل قضايا الزواج والمعاملات الشرعية.

أُفرج عنه في كانون الثاني/يناير 2022 بشروط غامضة، وعاد بعد ذلك لنشاطه الإعلامي عبر سلسلة تسجيلات بعنوان “تفنيد” للدفاع عن جماعته ونفي علاقتها بتنظيم “داعش”.

لكن تسريبات صوتية لاحقة كشفت عن ممارسات تعذيب داخل المخيم، منها جلد امرأة عشر جلدات عقاباً على تهريب أطفال، ما أثار جدلاً واسعاً حتى داخل الأوساط الجهادية نفسها.

“المجنّد الأكبر في تاريخ فرنسا”

تصفه تقارير فرنسية بأنه أخطر مجنّد جهادي في التاريخ الحديث لفرنسا، إذ يُنسب إليه استقطاب مئات الشبان الفرنسيين بين عامي 2012 و2015.

وبحسب الباحث جان شارل بريسار، مدير مركز تحليل الإرهاب في باريس، فإن أومسين “يمثل نموذج الجهادي العصري الذي جمع بين الدعاية الإلكترونية والكاريزما الشعبية”.

في عام 2015، سمح لقناة فرانس 2 بزيارته داخل مخيمه في إدلب، حيث تحدث عن رؤيته للجهاد، ودافع عن تجنيد النساء، وهاجم أهالي المقاتلين الذين اتهموه بتضليل أبنائهم.

ورغم أن السلطات الفرنسية لم تربطه مباشرة بأي هجمات داخل فرنسا، إلا أنه ما يزال من أكثر المطلوبين للأجهزة الأمنية الأوروبية، ويُعتبر أحد أبرز رموز الجهاد العابر للحدود في العقد الأخير.

عربي 21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى