الأوقاف تتحرك لتحييد المنابر عن القضايا الخلافية في سوريا

أثار تعميم صادر عن مديرية أوقاف ريف دمشق التابعة لوزارة الأوقاف السورية موجة من التساؤلات حول دور الوزارة في تنظيم الخطاب الديني وتوجيهه داخل المساجد، خاصة في ظل مرحلة ما بعد الحرب التي تمر بها البلاد.
تنظيم الخطاب الديني في المساجد
يحمل التعميم رقم 42، ويوجه إلى الأئمة والخطباء في محافظة ريف دمشق، محدداً مجموعة من الضوابط المتعلقة بخطب الجمعة والدروس الدينية.
وأوضح معاون مدير أوقاف ريف دمشق، الشيخ رامي السقا، في حديث إلى عنب بلدي، أن إصدار مثل هذه التعاميم هو إجراء دوري تقوم به وزارة الأوقاف ومديرياتها، إما لتصحيح أخطاء وردت في بعض الخطب، أو لتوجيه الخطاب الديني نحو قيم تعزز الاستقرار وبناء الدولة.
وأشار السقا إلى أن ما يُثار من قضايا جدلية على المنابر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي غالباً ما يصدر عن شباب متحمسين لم يتعمقوا في العلوم الشرعية، مضيفاً أن الهدف من التعميم ليس فرض رؤية حكومية، بل الحفاظ على قدسية المنبر ومنع تحوله إلى مساحة للجدل السياسي أو الديني.
الابتعاد عن المسائل الخلافية
نص التعميم الصادر في 21 تشرين الأول 2025 على تجنب طرح القضايا التي تثير النزاع بين المذاهب السنية، وخاصة المسائل العقدية الخلافية.
وبيّن السقا أن هذه الموضوعات ذات طابع تاريخي وفلسفي، وأن الخوض فيها أمام العامة لا يقدم فائدة حقيقية، بل يؤدي إلى انقسام المجتمع. وأوضح أن الوزارة لا تمنع البحث العلمي في هذه القضايا، لكنها تشدد على أن يكون ذلك في الأوساط الأكاديمية المختصة وليس على منابر المساجد.
مدة الخطبة.. تنظيم لا تقييد
كما تضمن التعميم تحديد مدة خطبة الجمعة بحيث لا تتجاوز 20 دقيقة، وهو ما فُسر لدى بعض الخطباء على أنه تقييد لحرية الخطاب الديني. غير أن السقا أوضح أن الغاية من هذا الإجراء تنظيم الوقت وليس تقييد المضمون، مؤكداً أن اختصار الخطبة يساعد الخطيب على تركيز رسالته وتجنب الإطالة المملة، مشيراً إلى أن هذا الأسلوب مطبق في كثير من الدول الإسلامية.
تجنب الخوض في شؤون الدول
ومن البنود اللافتة في التعميم، التشديد على عدم التطرق إلى شؤون الدول الأخرى أو ذكرها على المنابر.
وقال السقا إن بعض الخطباء تجاوزوا هذا المبدأ في حالات محدودة بذكر دول أو شخصيات خارجية، ما دفع الوزارة إلى التنبيه مبكراً لمنع تسييس المنابر، مؤكداً أن المسجد يجب أن يبقى مكاناً للعبادة والإصلاح الاجتماعي لا للجدل السياسي.
توحيد المنابر الدينية
كما شدد التعميم على عدم تدريس المسائل العقدية الجدلية في الدروس العامة، وحصر التعليم بالعقائد المتفق عليها بين الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث.
وأوضح السقا أن الغرض هو التركيز على البعد الإيماني والسلوكي للعقيدة، مثل تعزيز قيم المراقبة والتوكل، بدلاً من الخوض في تعريفات فلسفية لا يحتاجها عامة الناس.
وأكد أن هذه التوجيهات تشمل مساجد أهل السنة بمذاهبهم المختلفة، بينما يحتفظ أتباع المذاهب الأخرى بمناهجهم الخاصة، موضحاً أن الهدف الأسمى هو الحفاظ على وحدة الخطاب الديني ومنع الانقسام المذهبي أو السياسي داخل سوريا.
توجه الأوقاف نحو خطاب معتدل
يرى مراقبون أن مضمون التعميم وتصريحات السقا تعكسان توجهاً واضحاً من وزارة الأوقاف لإعادة ضبط الخطاب الديني بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة، من خلال الابتعاد عن الجدل العقائدي والسياسي، وتأكيد دور المسجد كمركز لنشر قيم التسامح والتعايش.
ويأتي هذا التعميم استكمالاً لسياسة الوزارة التي دعت، في تعميم سابق صدر في أيار 2025، إلى اعتماد خطاب ديني معتدل ومتوازن، بعيد عن التعصب والانقسامات، مؤكدة على ضرورة الالتزام بمنهج الوسطية الإسلامية وتوحيد الكلمة وتعزيز السلم الأهلي.
تنسيق بين الرئاسة ووزارة الأوقاف
وفي السياق ذاته، ناقش الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، مع وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، أهمية تعزيز الخطاب الديني الوسطي وترسيخ قيم الانتماء الوطني.
وأشارت الرئاسة في بيانها إلى أن اللقاء تناول خطة الوزارة لتطوير مناهج الخطاب الديني وتأهيل الأئمة والخطباء، بما يواكب التحديات الاجتماعية والفكرية في البلاد. كما سبق للرئيس الشرع أن أصدر قراراً بتشكيل مجلس الإفتاء الأعلى برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي، بهدف تنظيم الإفتاء وضمان توحيد المرجعية الدينية.
عنب بلدي



