الاخبار

إرث سام.. إمبراطورية الأسد نهبت سوريا وتركت الشعب يتسول

من مواقع محصّنة فوق التلال المطلة على دمشق، هيمنت “الفرقة الرابعة” بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، على مفاصل الاقتصاد السوري طوال سنوات، قبل أن تترك خلفها، بعد انهيار النظام، شبكة فساد هائلة ومستندات مسرّبة تكشف حجم الثروات المنهوبة ومصادرها.

اقتصاد منهك… وجنود يتسوّلون

خلال سنوات الصراع، استخدمت الفرقة الرابعة موقعها ونفوذها في السيطرة على موارد الدولة، ونهب الثروات الطبيعية، وفرض الإتاوات، فيما كان آلاف الجنود بالكاد يجدون ما يسد رمق عائلاتهم.
مستندات عُثر عليها داخل مقرات مهجورة للفرقة تكشف عن نمط حياة فاره لماهر الأسد وبعض المقربين منه، مقابل ظروف مأساوية لعناصر القاعدة العسكرية.

سيطرة اقتصادية شاملة: من الكبتاغون إلى المعادن

بحسب وثائق حصلت عليها وكالة فرانس برس، تغلغلت الفرقة الرابعة في معظم القطاعات الاقتصادية:

تهريب الكبتاغون وتصديره لدول الخليج

فرض إتاوات على الحواجز والمعابر الحدودية

مصادرة العقارات والبضائع بما في ذلك السيارات والإلكترونيات

احتكار تجارة النحاس والمعادن في المناطق المنكوبة

استغلال صهاريج الوقود كمصدر دخل عبر فرض رسوم للحماية

وتقدّر مصادر اقتصادية قيمة التجارة غير الشرعية التي أدارتها الفرقة بأكثر من 10 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة.

أنفاق وخزنات تحت الأرض: مقر ماهر الأسد السري

داخل مجمع ضخم في جبل يعلو العاصمة دمشق، بُني مقر سري تابع لماهر الأسد، تضمن شبكة أنفاق يمكن مرور شاحنات عبرها، وغرفًا محصّنة بأبواب فولاذية، وصناديق فارغة كانت تحوي ساعات فاخرة وأوراقًا نقدية.

ووفق حارس اصطحب فريق الصحافة داخل هذه الأنفاق، فقد تم اقتحام المقر في ديسمبر، وسُرقت معظم محتوياته بعد ساعات من انهيار النظام وهروب بشار الأسد إلى روسيا، وماهر إلى العراق ومنه إلى الخارج.

وثائق تكشف الأرقام: ملايين الدولارات في خزائن “الفرقة الرابعة”

تكشف وثائق مؤرخة بين عامي 2021 و2024، أن مكتب أمن الفرقة الرابعة احتفظ بمبالغ نقدية هائلة:

80 مليون دولار

8 ملايين يورو

41 مليار ليرة سورية

بحسب خضر خضور، الباحث في معهد كارنيغي، فإن هذه الأرقام لا تمثل سوى “الجزء الظاهر من جبل الجليد”، مرجّحًا أن القسم الأكبر من ثروة ماهر وأعوانه مخزّن في الخارج، خاصة في دول عربية وأفريقية.

“الفرقة الرابعة كانت دولة داخل الدولة”

وبشهادة ضباط سابقين، تصرفت الفرقة الرابعة طوال السنوات الماضية كـ”كيان مستقل” داخل سوريا.
يقول العميد عمر شعبان، وهو ضابط سابق عقد تسوية مع الحكومة الانتقالية، إن:

“الفرقة كانت تمتلك كل شيء، من السوق السوداء إلى الأجهزة الأمنية وحتى الموارد الأساسية”.

حتى تعاملات الدولار الأمريكي، المحظورة رسميًا، كانت شائعة في دوائرها. بعض الضباط كانوا يمتلكون خزائن مليئة بالدولارات، بينما غالبية الشعب كانت تعاني من الجوع والتشريد.

رفاهية كبار الضباط… وتسول الجنود

داخل مكتب غسان بلال، مدير مكتب أمن الفرقة، عُثر على فواتير تثبت مستوى الرفاه الذي كان يعيش فيه:

صيانة سيارات فاخرة مثل كاديلاك وليكزس

شحن مركبات من الخارج برسوم جمركية تصل إلى 29 ألف دولار

اشتراكات ترفيهية على “نتفليكس” ببطاقات أجنبية لتفادي العقوبات

وفي المقابل، تكشف وثائق أخرى أن جنودًا من الفرقة الرابعة كانوا يطلبون مساعدات مالية بسيطة، لا تتجاوز 33 دولارًا شهريًا. أحدهم ضُبط وهو يتسوّل في الشوارع أثناء نوبة دوامه العسكري.

رجال أعمال موّلوها: قاطرجي، قدّور، القوتلي

تضم الوثائق المسربة أسماء شخصيات بارزة ساعدت في تمويل عمليات الفرقة الرابعة، من بينهم:

الأخوين قاطرجي (تورطوا بتهريب النفط لصالح إيران)

خالد قدّور (اتهم بتمويل عمليات تهريب الكبتاغون والسجائر)

رئيف القوتلي (أدار نقاط تفتيش وجمع الإتاوات)

وتكشف سجلات مالية رسمية أن هذه الشخصيات وفّرت ملايين الدولارات لمكتب أمن الفرقة.

تجارة المخدرات: الكبتاغون في قلب العمليات

بحسب مصادر أمنية، لعب غسان بلال دورًا رئيسيًا في إدارة عمليات تهريب الكبتاغون، بالتعاون مع عناصر الفرقة.
وفي فيلا بريف دمشق استولت عليها الفرقة، تم العثور على مصنع لصناعة الكبتاغون، مجهز ببراميل كافيين وإيثانول وباراسيتامول.

وتشير تقارير استخباراتية إلى أن مكتب أمن الفرقة كان يبيع بطاقات أمنية مقابل مبالغ ضخمة لتأمين الحماية لمهربي المخدرات.

السيطرة على المعادن والنحاس

يقول العميد شعبان إن تجارة النحاس والحديد كانت “حكرًا على الفرقة الرابعة”، التي استخرجت هذه المعادن حتى من أنقاض المنازل المدمرة.
كما أجبر النظام الصناعيين على الشراء من مصانع مملوكة لشركاء ماهر الأسد، مما أدّى إلى إغلاق عدد كبير من المعامل الخاصة.

تواطؤ القصر الرئاسي: “الشركة الوحيدة هي القصر”

بحسب الصناعي فارس الشهابي، فإن الأرباح التي جنتها الفرقة الرابعة لم تذهب فقط إلى ماهر، بل وصلت إلى بشار الأسد نفسه:

“كانت شركة واحدة، يديرها القصر الرئاسي”.

وتظهر مستندات أمنية أن نسبة من الأرباح والمصادرات كانت تُحوّل مباشرة إلى القصر.

نهاية مرحلة… وإرث لا يُمحى

رغم تفكك الفرقة الرابعة وسقوط مقراتها، إلا أن محللين يحذرون من خطر تركها دون محاسبة.
يقول لارس هاوخ، الخبير في الشأن السوري:

“الفرقة الرابعة كانت جهازًا عسكريًا، أمنيًا، اقتصاديًا، وحتى مافيويًا… لا يمكن القضاء على نفوذها ببساطة”.

ويضيف أن ما تبقى من عناصرها الموالين انسحبوا إلى مناطق الساحل السوري، ومعهم مخازن أسلحة ومليارات الدولارات، مما قد يشكّل تهديدًا مستقبليًا في حال فشل الانتقال السياسي والعدالة الانتقالية في البلاد.

العربية نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى