الاخبار

4 عقبات كبرى أمام الانتخابات في سوريا

في مشهد سياسي دقيق ومعقد، يترقب السوريون ولادة مجلس الشعب المؤقت، باعتباره أحد المفاصل الحاسمة في رحلة الانتقال من نظام الأسد البائد إلى مستقبل ديمقراطي تعددي. ورغم الآمال الكبيرة المعقودة عليه، فإن التحديات الأمنية والسياسية واللوجستية تهدد بجعل هذه الخطوة موضع جدل واسع. فهل ينجح المجلس المرتقب في إعادة الروح إلى الحياة النيابية في سوريا؟ أم أنه سيكون نسخة محسنة من مجالس “التصفيق” القديمة؟

مجلس انتقالي ينتظره السوريون بشغف

ينتظر السوريون انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب المؤقت في الفترة ما بين 15 و20 سبتمبر/أيلول 2025، عبر هيئات ناخبة شكّلتها اللجنة العليا للانتخابات، فيما سيقوم الرئيس المؤقت أحمد الشرع بتعيين الثلث المتبقي. وتُعد هذه الخطوة أول محاولة جدية لملء الفراغ التشريعي الذي أعقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وانهيار المنظومة الدستورية والقانونية القديمة.

ذكريات متناقضة

تحمل ذاكرة السوريين وجهين متناقضين لفكرة البرلمان؛ أحدهما سلبي من حقبة حكم الأسد، حيث تحوّل مجلس الشعب إلى أداة للتصفيق والتمرير، لا يمثل الشعب بل يعكس إرادة النظام فقط. والآخر إيجابي من مرحلة ما بعد الاستقلال، حين كان المجلس النيابي يعجّ بالنقاشات الحقيقية والتعددية الحزبية، قبل أن تنطفئ الحياة السياسية مع قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958.

لماذا مجلس مؤقت الآن؟

الهدف الأساسي من تشكيل المجلس المؤقت هو إنهاء الفراغ التشريعي وتوفير غطاء قانوني للعملية الانتقالية الجارية. ويأمل السوريون أن يكون هذا المجلس بداية حقيقية لإعادة إحياء الحياة النيابية، ووضع حد لسنوات من الاستبداد والتغييب السياسي.

لكن إجراء انتخابات عامة حرة في هذه المرحلة الانتقالية يبدو مهمة شبه مستحيلة لعدة أسباب:

أبرز التحديات أمام الانتخابات العامة:

الوضع الأمني الهش: البيئة الانتقالية ما تزال غير مستقرة، ولا تسمح بانتخابات عامة مباشرة.

انقسام الجغرافيا السورية: مناطق واسعة خارجة عن سيطرة الحكومة الانتقالية، خاصة في الشمال الشرقي والجنوب.

غياب إحصاء سكاني موثوق: أكثر من 7 ملايين سوري يعيشون خارج البلاد، ناهيك عن النزوح الداخلي وفقدان العناوين.

افتقار البنية التحتية الانتخابية: من الصعب إقامة انتخابات نزيهة في ظروف اللجوء والنزوح، وغياب المؤسسات القانونية.

تفاصيل النظام الانتخابي المؤقت

بموجب مرسوم رئاسي، تقرر أن يتكون المجلس من 210 أعضاء، يتم انتخاب ثلثيهم عبر هيئات ناخبة معتمدة، بينما يتم تعيين الثلث الآخر. وقد تم حصر الترشح في أعضاء تلك الهيئات فقط، مع منع الجمع بين عضوية المجلس وأي وظيفة حكومية، باستثناء التدريس الجامعي.

شروط الترشح الصارمة شملت:

منع من ترشح للرئاسة أو شغل عضوية المجلس بعد عام 2011، ما لم يثبت انشقاقه عن النظام السابق.

استبعاد الداعمين لنظام الأسد، أو دعاة الانفصال، أو المتهمين بالاستقواء بالخارج.

منع العسكريين والأمنيين والمحافظين من الترشح.

الجدل حول تأجيل الانتخابات في ثلاث محافظات

أثار قرار تأجيل الانتخابات في الرقة، الحسكة، والسويداء جدلاً سياسياً واسعاً، إذ تمثل هذه المحافظات نحو 10% من مقاعد المجلس. وقد اقترحت اللجنة العليا للانتخابات عدة خيارات بديلة، منها التصويت خارج هذه المحافظات، أو ترك المقاعد شاغرة مؤقتاً، أو تعيين ممثلين عنها.

خلفيات سياسية وراء التأجيل

رغم التبرير الرسمي بأن الأسباب “أمنية”، إلا أن الواقع السياسي يعكس خلافاً أعمق. فقوات “قسد” والإدارة الذاتية في الشمال الشرقي لا تعترف بالسلطة الانتقالية، وترى أنها أقصيت من العملية السياسية. أما في السويداء، فموقف جماعة الشيخ حكمت الهجري يتجه نحو الانفصال، ما يجعل إجراء الانتخابات هناك أمراً بالغ الصعوبة.

الرهان على التمثيل العادل والمصداقية

يبقى التحدي الأكبر أمام المجلس المؤقت هو تحقيق تمثيل حقيقي وعادل لمكونات المجتمع السوري، وتوفير الحد الأدنى من الشرعية الشعبية، كي لا يتحول إلى نسخة معدّلة من مجالس النظام القديم. ويظل نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة السلطة الانتقالية على تجاوز العقبات، والتواصل مع جميع القوى السورية، داخل البلاد وخارجها.

خاتمة: هل يكون المجلس المؤقت بوابة نحو الجمهورية الجديدة؟

في لحظة مفصلية من التاريخ السوري، يُنظر إلى مجلس الشعب المؤقت كاختبار حقيقي للسلطة الانتقالية. فإن أحسنت إدارته، وأثبتت جديتها في تمثيل الشعب، فقد يكون بوابة عبور نحو نظام ديمقراطي تعددي. أما إذا سقط في فخ الإقصاء والانغلاق، فقد يكون بداية أزمة جديدة في مسار لم يعد يحتمل مزيداً من الانتكاسات.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى