الاخبار

بقرة تتحرك بأمر الله وترسم الحدود.. ماذا يحدث في الضفة الغربية؟

في مشهد يبدو أقرب للخيال، أصبحت بعض حدود الأراضي في الضفة الغربية تُحدَّد فعليًا بناءً على مسار أبقار يرعاها مستوطنون إسرائيليون متطرفون. هذه ليست دعاية أو مبالغة، بل واقع تعيشه الضفة الغربية اليوم، حيث تلعب الأبقار دورًا رمزيًا وعمليًا في تكريس الاحتلال والضم التدريجي للأرض، وسط صمت دولي وتآكل داخلي فلسطيني.
“الاستيطان الرعوي”: أداة جديدة للسيطرة على الأرض

في السنوات الأخيرة، ابتكر المستوطنون شكلًا جديدًا من أشكال التوسع الاستيطاني يُعرف بـ”الاستيطان الرعوي”، بعدما تبين أن البناء الاستيطاني التقليدي، رغم توسعه، لم يكن كافيًا للهيمنة على مساحات واسعة من الأرض.

وخلال فترة قصيرة، تمكّن هذا النمط من السيطرة على نحو ثلث الضفة الغربية وطرد سكانها الأصليين، بينما لم يتجاوز البناء الاستيطاني الرسمي خلال 30 عامًا نسبة 1.5% من المساحة الفعلية.
قرارات حكومية شكلية.. والاستيطان يتم خارج الأرقام

غالبًا ما تعترض منظمات حقوق الإنسان على قرارات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة ببناء وحدات استيطانية، وتصدر بيانات شجب، لكنها في الواقع لا تمس جوهر القضية. فالبناء الفعلي يتم بمعزل عن القرارات المعلنة، إذ تُقام بؤر استيطانية من عشرات الوحدات دون أن تُسجَّل رسميًا، كما حدث مؤخرًا بين مستوطنتي “عيلي” و”شيلو”، حيث ظهرت بؤرتان جديدتان دون ذكرهما في أي قرار رسمي.
بقرة المستوطن تُحدّد حدود الأغوار

في مناطق الأغوار، أصبحت حركة أبقار المستوطنين أداة لفرض السيطرة على الأرض. وباتت القاعدة السائدة أن الأرض التي ترعاها بقرة مستوطن تُصبح “ملكه”، بينما يُمنع الرعاة الفلسطينيون من الاقتراب من مناطق مرت فيها تلك الأبقار. هذه الممارسة أسفرت عن استحواذ المستوطنين على 90% من مساحة الأغوار، فيما يُسمح للفلسطينيين بالتحرك فقط ضمن 10% المتبقية.
مخطط الضم: نحو 65% من الضفة.. وربما كلها

تعمل الحكومة الإسرائيلية على بلورة مشروع لضم 65% من الضفة الغربية قانونيًا إلى إسرائيل، وهو مقترح قدّمه وزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر. في المقابل، يدعو مجلس مستوطنات الضفة بقيادة يسرائيل غانتس إلى ضم كامل الضفة، وفرض واقع جديد يجعل الفلسطينيين محاصرين داخل 20 كانتونًا معزولًا، في تطور حتى أشد قسوة من مخطط “كيدار” القديم الذي اقترح تقسيمهم إلى سبعة معازل فقط.
إقامة 22 مستوطنة جديدة وإغلاق ما تبقى من الفضاء الفلسطيني

ضمن خطة هندسة الفصل العنصري على الأرض، أعلنت حكومة نتنياهو مؤخرًا عن بناء 22 مستوطنة جديدة، تهدف إلى القضاء على أي تواصل جغرافي متبقٍ للفلسطينيين، خصوصًا في شمال الضفة. وستؤدي هذه المستوطنات إلى عزل القرى عن بعضها البعض، فضلًا عن مخططات لمنع الفلسطينيين من استخدام الطرق الرئيسية واستبدالها بطرق فرعية وعرة.
السيطرة تتوسع إلى مناطق “ب” بعد إنهاء مناطق “ج”

لم تعد سياسة الهدم ومنع البناء حكرًا على مناطق “ج” التي تمثل ثلثي الضفة وتخضع إداريًا لإسرائيل، بل امتدت مؤخرًا إلى مناطق “ب” التي من المفترض أن تكون تحت إدارة السلطة الفلسطينية، حيث تمت السيطرة حتى الآن على أكثر من 34 ألف دونم من هذه المناطق.
تغييب الدور الدولي وتفكيك المرجعيات

شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا في قدرة المجتمع الدولي على التدخل في ملف الضفة. فحتى الزيارات الدبلوماسية أصبحت تُقابل بالرصاص، كما حدث مع وفد دبلوماسي أوروبي-عربي في جنين. في القدس، لم يعد لأي جهة دولية أو حتى إسرائيلية غير دينية حق التأثير أو الاعتراض، إذ باتت الصهيونية الدينية هي القوة المهيمنة، بما في ذلك داخل المؤسسة العسكرية.
الجيش الإسرائيلي.. في قبضة المستوطنين

أشارت تقارير إلى أن قيادة “فرقة الضفة الغربية” في الجيش الإسرائيلي يسيطر عليها مستوطنون في معظمها، ما يجعل السياسات الأمنية في الضفة امتدادًا مباشرًا لأيديولوجيا المستوطنين.
استخدام السلطة الفلسطينية كأداة في تكريس الاحتلال

تُوظّف حكومة الاحتلال السلطة الفلسطينية لتوفير غطاء لـ”إعادة تعريف الاحتلال”، إذ تمارس السلطة دورًا وظيفيًا، وفق منظور إسرائيل، في حفظ الأمن والتقليل من حدة الغضب الشعبي، رغم غيابها التام عن قرارات الضم والتوسع.
صمت فلسطيني تجاه مجازر غزة يُضعف موقف الضفة

خسرت الضفة الغربية الكثير من وزنها الإستراتيجي بسبب الصمت الشعبي على المجازر الإسرائيلية في غزة، وهو ما شجّع إسرائيل على تسريع مشاريع الضم وتفكيك البنية المجتمعية الفلسطينية.
خريطة جديدة: نحو حسم وجود الفلسطينيين بالكامل

تسعى إسرائيل إلى حسم معركة الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية عبر التهجير التدريجي، وتطبيق ما ورد في “برنامج سموتريتش” منذ 2017، الذي يدعو إلى تهجير الفلسطينيين بوسائل ناعمة، وهو ما يتبلور اليوم على الأرض ببطء وثبات.
الفصل الأخير: من نظام أبرتهايد إلى تصفية القضية

مع تصاعد نفوذ الصهيونية الدينية والمسيانيين داخل مؤسسات الدولة، تدخل الضفة الغربية مرحلة جديدة من العنف المنظم والهندسة السكانية، تهدف إلى فرض واقع دائم للفصل العنصري، دون ترك أي مساحة للمناورة أو المفاوضة.

الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى