الاخبار

180 يوماً للاختبار.. هل تنجح واشنطن ودمشق في صياغة معادلة تفاهم جديدة؟

شهدت السياسة الأميركية تجاه الملف السوري تحولاً ملحوظاً منذ اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في الرياض منتصف مايو/أيار الماضي. هذا اللقاء، الذي يُعد الأول من نوعه منذ أكثر من 25 عاماً بين رئيسي البلدين، جاء في سياق متغيرات إقليمية ودولية، وأدى إلى سلسلة خطوات أميركية تشير إلى انفتاح مشروط تجاه الحكومة الانتقالية في دمشق.
مؤشرات انفتاح أميركي بعد لقاء الرياض

عقب اللقاء، اتخذت واشنطن سلسلة إجراءات أبرزها رفع جزئي ومؤقت للعقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”، ومنح إعفاء مدته 180 يوماً للتعاملات الاقتصادية. وأكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن هذا القرار يأتي لاختبار “الجدية والالتزام بالمعايير الدولية”.

كما أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح بتخفيف القيود المالية، وهي خطوة فُسرت على أنها بداية مقاربة جديدة تتجاوز النهج العقابي التقليدي تجاه سوريا.
خمسة مطالب رئيسية قدمتها واشنطن لدمشق

خلال اجتماع الرياض، قدم ترامب خمس مطالب مباشرة إلى الجانب السوري، تمثلت في:

الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل.

انسحاب المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية.

ترحيل عناصر الفصائل الفلسطينية المسلحة المدعومة من إيران.

التعاون في منع عودة تنظيم “داعش” وتنشيط التنسيق الأمني.

تحمّل المسؤولية عن مراكز احتجاز مقاتلي داعش في شمال شرق البلاد.

استجابات دمشق: براغماتية سياسية وتكتيكات محسوبة

أظهرت دمشق تجاوبًا متفاوتًا مع هذه المطالب، وفقًا لحساسية كل ملف. ومن أبرز خطواتها:

دمج نحو 3500 مقاتل أجنبي (غالبيتهم من الإيغور) ضمن الفرقة 84 بالجيش الوطني السوري، وفق شروط أمنية صارمة، وهو ما فُسر على أنه تنازل أمني مهم.

مؤشرات على تقدم في مسار التطبيع مع إسرائيل، حيث كشفت تقارير عن محادثات غير مباشرة جرت في الأسابيع الأخيرة. لقاءات جمعت الشرع بحاخام أميركي وقس مؤيد للتطبيع زادت من ترجيح هذا المسار.

في ملف الفصائل الفلسطينية، غادر عدد من قادة الفصائل المسلحة المدعومة من إيران دمشق، فيما سُلّمت أسلحة بعض الفصائل طواعية، ما يمثل تحولًا ميدانيًا في تموضع “محور المقاومة” داخل سوريا.

زيارة وفد من الحكومة الانتقالية السورية إلى مخيم الهول برفقة التحالف الدولي، شكلت إشارة إيجابية نحو تحمل دمشق مسؤولية ملف عناصر “داعش” المحتجزين.

السياسة الأميركية: انفتاح دون اعتراف رسمي

تتبنى واشنطن حالياً ما يمكن وصفه بـ”الاعتراف المؤجل”، حيث يجري التعامل المؤسسي مع الحكومة الانتقالية السورية دون إعلان سياسي واضح. ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى:

الاستفادة من الترتيبات الأمنية والميدانية على الأرض.

تجنب التصعيد أو الدخول في مسار تفاوضي تقليدي من أعلى.

اختبار فعالية اللاعبين الجدد في السلطة الانتقالية السورية ضمن بيئة إقليمية مضطربة.

زيارة توم باراك: تعزيز التواصل الدبلوماسي

في أواخر مايو، زار توم باراك، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، العاصمة دمشق والتقى بالرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني. وأكد خلال الزيارة أن إدارة ترامب تدرس إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما يمثل تحولاً كبيراً في السياسة الأميركية تجاه دمشق.

وقبلها، زار باراك إسرائيل واطلع على الوضع في الجولان المحتل، مما يعكس رغبة أميركية في التنسيق الأمني الإقليمي مع الحلفاء، خصوصًا فيما يتعلق بالحدود السورية–الإسرائيلية.
180 يوماً لاختبار النوايا: مرحلة مفصلية للعلاقات

الإعفاء الأميركي لمدة 180 يوماً من العقوبات، يمثل نافذة اختبار سياسية تهدف إلى تقييم استجابة دمشق للمطالب الأميركية. في حال حققت الحكومة السورية خطوات إضافية في ملفات مثل:

مكافحة الإرهاب

ضبط الفصائل المسلحة

الاستقرار الأمني الداخلي

فمن المرجح أن تمدد واشنطن الإجراءات التخفيفية أو توسّعها تدريجيًا. أما إذا تباطأت الاستجابة، فقد تعود الإدارة الأميركية إلى التصعيد المحدود دون تبني سياسة العزل الكامل كما في السابق.
ختامًا: انفتاح مشروط وانتقال من الضغط إلى الاحتواء

ما يجري اليوم ليس تحولًا جذريًا في السياسة الأميركية، بل هو إعادة تموضع ذكية، تقوم على تخفيف الضغط لصالح احتواء ديناميكي للواقع السوري الجديد. وتبدو دمشق بدورها مستعدة لتقديم تنازلات محسوبة من أجل كسر العزلة الدولية، دون المساس بجوهر سيادتها أو تحالفاتها الإقليمية.

يبقى السؤال الأساسي:
هل ستنجح مهلة الـ180 يوماً في إعادة تشكيل العلاقة بين واشنطن ودمشق على أسس جديدة، أم أنها مجرد استراحة دبلوماسية قبل جولة أخرى من الشد والجذب؟

تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى