الاخبار

كيف تُحصّن إيران منشآتها النووية وهل تستطيع “إسرائيل” تدميرها فعلاً؟

شنت إسرائيل خلال الأيام الماضية حملة عسكرية جوية هي الأعنف من نوعها ضد أهداف داخل إيران، استهدفت خلالها منشآت نووية ومصانع صواريخ باليستية ومواقع عسكرية حساسة.
هذه الضربات أسفرت عن مقتل عدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين والعلماء النوويين، وتسببت في أضرار لافتة في بعض البنى التحتية النووية.
ورغم إعلان تل أبيب أن عملياتها فتحت “الطريق إلى إيران”، ملوّحة بالمزيد من الغارات على مواقع في طهران، أكدت طهران من جهتها أن الهجوم على منشأة “فوردو” النووية لم يسفر سوى عن أضرار طفيفة، دون أي تسرب إشعاعي.

منشآت تحت الأرض وتحصينات معقدة
منذ سنوات، عملت إيران على حماية منشآتها النووية عبر استغلال الطبيعة الجغرافية والتضاريس الوعرة، إلى جانب بناء تحصينات عسكرية متينة معقدة، يصعب اختراقها في حال أي هجوم خارجي.
وفي عام 2002، كشفت المعارضة الإيرانية في المنفى، عبر “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” (NCRI)، عن منشأة سرية في نطنز مخصصة لتخصيب اليورانيوم، وهو ما أكده لاحقاً “معهد العلوم والأمن الدولي” (ISIS). ومنذ ذلك الحين، تصاعدت المخاوف الغربية من الأنشطة النووية غير المعلنة في إيران، لا سيما في منشآت ذات طابع عسكري.

نطنز : القلب النابض لبرنامج إيران النووي
أظهرت صور أقمار صناعية التُقطت مؤخراً في آذار/مارس 2025 أن إيران أنشأت منطقة أمنية موسعة حول منشأتين أنبوبيتين مدفونتين في عمق الأرض قرب موقع نطنز النووي، حيث يُرجح أنها تستخدم لحماية أجهزة طرد مركزي متقدمة أو لتخزين مواد نووية مخصبة.
ويقول ديفيد ألبرايت، رئيس معهد ISIS، إن هذه المنشآت قد تكون جاهزة للتشغيل قريباً، موضحاً أن إيران منعت المفتشين الدوليين من دخولها، ما أثار مخاوف من وجود نشاط نووي عالي التخصيب.
تقع منشأة نطنز على عمق عدة طوابق تحت الأرض وسط إيران، وتحتوي على أجهزة طرد مركزي وغرف للبنية التحتية والكهرباء، ووفقًا لتقديرات منظمة NTI، تمتد المنشأة على أكثر من 3 كيلومترات مربعة، وتضم نحو 50 ألف جهاز طرد مركزي، في حين قدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2015 أن عدد الأجهزة بلغ حوالي 19 ألفاً، منها 5 آلاف في نطنز فقط.
وتشير التقارير إلى أن نطنز أنتجت معظم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% منذ عام 2021، وهو مستوى قريب من نسبة 90% اللازمة لصنع قنبلة نووية.
وتقدّر كمية اليورانيوم المخصب المخزنة حالياً بحوالي 408 كغ.

فوردو : منشأة محصنة في عمق الجبال
أعلنت المعارضة الإيرانية أيضاً عن وجود منشأة “فوردو” تحت الأرض قرب مدينة قم، وكشفت القوى الغربية رسمياً عن الموقع في أيلول/سبتمبر 2009.
المنشأة بُنيت بعمق يقدر بنحو 80 إلى 500 متر تحت الجبل، ما يجعل استهدافها تحدياً كبيراً، حتى لأقوى القنابل الخارقة للتحصينات.
ورغم تأكيد إيران أن فوردو لم يتأثر بالغارات الإسرائيلية، فإن خبراء يرون أن هذه المنشأة، إلى جانب مواقع أخرى قد تكون سرية، تمثل خطوط الدفاع الأخيرة لإيران في حال قررت الانتقال نحو إنتاج سلاح نووي.
وتوضح الباحثة داريا دولزيكوفا أن فوردو تُعد أكثر المنشآت تحصيناً في البلاد، وتقع على عمق يجعل من الصعب تدميرها حتى عبر قنابل MOP الأميركية الخارقة.
صعوبة تدمير المنشآت النووية الإيرانية
بحسب تقرير سابق لمجلة “فورين بوليسي”، فإن إيران تخفي منشآتها النووية داخل شبكة من الممرات والمخابئ المدفونة عميقاً، ما يصعب من مهمة تدميرها، ويستدعي مصادر بشرية متخصصة لدعم المعلومات المستقاة من الأقمار الصناعية.
ونقل موقع “بيزنس إنسايدر” عن خبراء أن امتلاك إيران لعلماء نوويين ذوي خبرة، إلى جانب نقل المنشآت الحيوية إلى أعماق الأرض، يجعل القضاء الكامل على البرنامج النووي شبه مستحيل عبر القوة النارية وحدها.
وبينما لم تُعرف طبيعة الذخائر التي استخدمتها إسرائيل في غاراتها الأخيرة، فإن تدمير المنشآت المحصنة يتطلب استخدام قنابل خارقة ضخمة مثل “GBU-57” الأميركية التي تزن 15 طناً، وهي قنابل لا تستطيع طائرات “إف 15” أو “إف 35” الإسرائيلية حملها.
القنابل الوحيدة القادرة على حمل هذا النوع من الذخائر هي قاذفات “B-2 سبيريت” و”B-21 رايدر”، وهما طرازان لا تمتلكهما إسرائيل.
التهديد مستمر.. والصراع النووي يتعقّد
رغم الضربات الجوية الأخيرة، يبقى البرنامج النووي الإيراني عصياً على التدمير الكامل، خصوصاً أن طهران تواصل العمل على تحصين منشآتها، وتؤكد على “حقها في امتلاك تكنولوجيا نووية سلمية”، في وقت ترفض فيه شروط التفاوض الأميركية المتعلقة بتفكيك منشآتها.
ومع استمرار التوتر بين تل أبيب وطهران، يبدو أن الملف النووي الإيراني يدخل مرحلة جديدة أكثر خطورة، حيث تتحوّل الضربات الجوية إلى رسائل سياسية وعسكرية في آن واحد، وسط تعقيدات جيوسياسية تجعل من أي مواجهة مفتوحة أمراً بالغ الخطورة على المنطقة بأسرها.
عربي 21

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى