ألمانيا تتحصن تحت الأرض.. هل اقترب سيناريو المواجهة مع موسكو؟

بعد عقود من الرهان على السلام منذ نهاية الحرب الباردة، تعود مشاهد الحرب والتوتر الأمني إلى الواجهة في ألمانيا، مع تحركات ملموسة من الحكومة الألمانية لإعادة النظر في جاهزيتها الدفاعية، وسط تصاعد المخاوف من تهديدات روسية محتملة.
في تطور لافت، بدأت برلين فعليًا التخطيط لبناء ملاجئ محصنة تحت الأرض، في خطوة تشير إلى أن احتمالية وقوع هجوم روسي لم تعد مجرد افتراض نظري، بل أصبحت أحد أولويات الاستراتيجية الدفاعية الألمانية.
قلق رسمي وتحذيرات من نقص الجاهزية
رئيس المكتب الاتحادي للحماية المدنية، رالف تيسلر، حذر مؤخرًا من أن ألمانيا ليست مهيأة بما يكفي لمواجهة أي حرب محتملة، مؤكدًا أن البلاد في سباق مع الزمن لتطوير بنيتها التحتية الدفاعية. ويشمل ذلك بناء ملاجئ جديدة وإعادة تجهيز الأنفاق ومحطات المترو والمواقف السفلية لتوفير الحماية لنحو مليون شخص في حال اندلاع نزاع مسلح كبير.
وفي موازاة ذلك، كشفت أنيت لينيغك، رئيسة المكتب الاتحادي للمشتريات العسكرية، أن أمام الجيش الألماني ثلاث سنوات فقط لاستكمال تجهيزاته الدفاعية تحسبًا لأي هجوم محتمل من روسيا على أراضي حلف شمال الأطلسي.
أما الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني، فقد وضع تاريخ 2028 كنقطة تحول حاسمة في مسار التسلح، مشيرًا إلى أن موسكو قد تكون قادرة على شن هجوم واسع على أوروبا بحلول عام 2029.
التصعيد في أوكرانيا يغيّر معادلة الأمن الأوروبي
يرى مراقبون أن التحولات الاستراتيجية الألمانية تأتي في سياق تطور الحرب في أوكرانيا من نزاع إقليمي إلى صراع استراتيجي مفتوح يهدد الأمن الأوروبي ككل. ويؤكد محللون أن تصاعد الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وعلى رأسه الدعم الألماني، يرافقه تحضير داخلي واسع على صعيد الدفاع المدني.
دعم أوكرانيا وتحذيرات من ردود روسية محتملة
وفقًا للخبير الاستراتيجي إبراهيم كابان، فإن العلاقة بين الدعم الأوروبي لأوكرانيا والتصعيد الروسي باتت طردية، موضحًا أن كل زيادة في المساعدات العسكرية قد تستدعي ردًا روسيًا مباشرًا أو غير مباشر. وأكد أن الاستعدادات الألمانية الحالية، من بناء الملاجئ إلى تعزيز جاهزية المجتمع، تعكس تحولًا جذريًا في النظرة إلى الأمن القومي.
وأضاف كابان أن ألمانيا، ومعها أوروبا، باتت تدرك أن الحرب لم تعد محصورة في حدود أوكرانيا، بل أصبحت جزءًا من معركة أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي، وسط سعي روسي لاستعادة نفوذها الجيوسياسي.
ضغوط أمريكية ودوافع سياسية واقتصادية
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي محمود الأفندي أن ما تشهده ألمانيا وعدد من الدول الأوروبية لا يمكن فصله عن الضغوط الأمريكية المتزايدة على دول الناتو لزيادة الإنفاق العسكري، ليصل إلى ما لا يقل عن 5% من الناتج المحلي، وهو ما يشكل عبئًا كبيرًا على الاقتصاديات الأوروبية، خاصة في ظل تباطؤ النمو.
وأشار إلى أن ألمانيا قد تضطر إلى الاقتراض لتمويل ميزانيتها الدفاعية، وهو ما يُستخدم سياسيًا لتبرير إجراءات التقشف ورفع الإنفاق العسكري، مستشهدًا بخلفية المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي ينتمي لعائلة لها ارتباطات تاريخية بالمؤسسة العسكرية الألمانية.
“التهديد الروسي” كذريعة لتوسيع التسلح
يرى بعض الخبراء أن التوسع في بناء الملاجئ ورفع وتيرة التسلح لا يقتصر على ألمانيا وحدها، بل يشمل أيضًا السويد وفنلندا وبريطانيا، وربما لاحقًا فرنسا وبلجيكا. ويتحدث هؤلاء عن “خطاب النخبة الأوروبية” الذي يصور روسيا كتهديد وجودي لتبرير سياسات التوسع العسكري.
ووصف الأفندي الحرب في أوكرانيا بأنها تحولت إلى “طوق نجاة” للنخب الأوروبية، يتم من خلاله تبرير الفشل الاقتصادي وترويج خطاب مزدوج، يدعي في جانب منه أن روسيا ضعيفة بفعل العقوبات، بينما في الجانب الآخر يصورها كخطر داهم يستدعي الاستعداد والتعبئة.
إرم نيوز



