الغارديان: تحكم ورقابة وعقوبات.. من داخل “سانا” الذراع الإعلامية لنظام الأسد

بعد 21 عاماً، وصل اليوم الذي كان فاروق يخشاه طوال تلك السنوات، حينما وصل إلى مكتبه في وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” ظرف مختوم بالشمع الأحمر. فتحه ليجد بداخله ما كان يعتبره الموظفون إنذاراً شديد اللهجة، يتراوح بين التوبيخ من قِبل رؤساء التحرير أو استدعاء إلى أحد فروع الأمن الشهيرة بقسوتها.
فاروق، الذي تحدث باستخدام اسم مستعار كونه يعمل صحفياً في قسم الأخبار الأجنبية بوكالة سانا، يقول: “أشرت إلى خطأ في المقالة قبل نشرها، واعتقدت أنني قدمت خدمة جيدة، لكنهم عاقبوني بسبب ذلك”.
كان فاروق محظوظاً، إذ اقتصرت العقوبة على مستوى إداري، على عكس زملائه الذين لم يكونوا بذلك الحظ. في عام 2014، كان محمد عبد الرحمن مع زملائه في استراحة أثناء تحضير الشاي، ولاحظوا فجأة أن جميع الحاضرين ينتمون إلى نفس الطائفة، مما أثار قلقهم لأن السلطات تشك في أي تجمع كهذا. تفرق الجميع سريعاً، ولكن بعد أسبوع، تلقوا هم أيضاً ظروفاً مختومة بالشمع الأحمر على مكاتبهم، والتي احتوت على استدعاءات للفرع 235، المعروف بفرع فلسطين، وهو أحد أسوأ مراكز الاحتجاز في البلاد. احتُجز عبد الرحمن وزملاؤه لمدة 15 يوماً، وخضعوا لتحقيقات مكثفة.
سانا كأداة دعاية للنظام السابق
عبد الرحمن وزملاؤه يتذكرون كيف اعتُقلوا خلال عهد النظام، بينما يتجمعون حول مكتب في قسم الأخبار الخارجية بوكالة سانا بعد سقوط نظام الأسد، وما زالوا مندهشين من قدرتهم على التحدث بحرية الآن.
طوال فترة الحرب السورية، لم يتمكن الصحفيون في سانا من نشر الأخبار بحرية، إذ كانت الوكالة في طليعة ترويج دعاية النظام. ورغم أن المعارضة كانت تتقدم، كانت سانا تدعي أن الأمور في سوريا تحت السيطرة، وأن ما يحدث مجرد “إعادة انتشار استراتيجي” لقوات النظام.
الرقابة الصارمة مثل روايات جورج أورويل
الصحفيون كانوا مدركين لتقدم المعارضة، لكنهم خضعوا لسنوات طويلة من الرقابة والتحكم، مما جعلهم غير قادرين على كتابة الحقائق. يعلق عبد الرحمن: “عليك أن توافق على ما يُملى عليك، حتى لو قالوا لك إن اللبن أسود، يجب أن تقول نعم”.
سانا وحملة التضليل الإعلامي
استمرت وكالة سانا في نشر عناوين مؤيدة للنظام، وكانت جزءاً من حملة التضليل الإعلامي بالتعاون مع روسيا. على سبيل المثال، وصفت الخوذ البيضاء، الدفاع المدني السوري، بأنهم عملاء لتنظيم القاعدة. ورغم الفقر المدقع في البلاد، كانت سانا تنشر أخباراً عن تحسينات بيئية وحافلات جديدة في دمشق.
المراقبة والتضييق على الصحفيين
لضمان عدم خروج الصحفيين عن الخط الرسمي، زرعت المخابرات مخبرين داخل سانا، وكان يُراقب حسابات الصحفيين على وسائل التواصل الاجتماعي. أي إشارة إلى رأي معارض كانت تعرض الصحفيين للخطر، وقد تعرض العديد منهم للتعذيب أو الاعتقال لفترات طويلة.
التعتيم على الحقائق
خلال تلك الفترة، تم إخفاء الحقائق وتضليل الجمهور. كان الصحفيون ملزمين بإنكار الواقع والترويج للروايات الرسمية. ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، استمر النظام في نشر إحصائيات غير دقيقة.
إحباط الصحفيين في سانا
رغم محاولات الصحفيين تغطية الأخبار الدولية، كانوا يتعاملون مع بيروقراطية مرهقة ومعايير تحريرية مشددة. كل خطوة كانت تحتاج إلى موافقة العديد من المسؤولين، ما يجعل الأخبار تفقد قيمتها بسبب التأخير.
الحياة بعد سقوط النظام
بعد سقوط النظام، عاد الصحفيون إلى مكاتبهم بحماسة، راغبين في استكشاف عناوين جديدة، مثل تحسين سعر الليرة والأسواق الجديدة. ولكن بعد سنوات من القمع، لم يكن الصحفيون يعرفون من أين يبدأون، وكان الأمل بأن تصبح لديهم حرية صحفية حقيقية، دون خوف من الاعتقال مرة أخرى.
تلفزيون سوريا



