صحة و جمال

هل تبدأ الشيخوخة من الأمعاء؟… العلماء يجيبون

قد لا تبدأ الشيخوخة الصحية عند الوصول إلى عمر متقدم، بل قد تتشكل ملامحها قبل ذلك بعقود، وفق ما طرحه علماء خلال منتدى “علم المستقبل” في مدينة نيجني نوفغورود الروسية.
ويربط البروفيسور كلاوديو فرانشيسكي، المتخصص في علم المناعة وأبحاث الشيخوخة، بين عدد من المشكلات المرتبطة بالتقدم في العمر وبين الالتهابات المزمنة وسوء التغذية واضطراب الميكروبيوم المعوي، وهي عوامل يمكن أن تبدأ في التأثير في الجسم منذ مراحل مبكرة من الحياة.
أما البروفيسور أندريه أبراموف، فيرى أن الحفاظ على النشاط البدني والذهني يمثل عاملاً أساسياً آخر في الشيخوخة الصحية، خصوصاً بعد التقاعد، عندما قد يؤدي التراجع المفاجئ في النشاط اليومي إلى تغيرات سلبية في الوظائف الإدراكية.
الالتهاب المزمن.. عامل يبدأ مبكراً
يرى فرانشيسكي، أستاذ علم المناعة ورئيس مختبر طب النظم للشيخوخة الصحية في جامعة لوباتشيفسكي الحكومية، أن بعض العمليات البيولوجية المرتبطة بالشيخوخة تبدأ في وقت أبكر بكثير مما يعتقده كثيرون.
وخلال مشاركته في المنتدى العلمي الحادي عشر للشباب الروس “علم المستقبل – علم الشباب”، ربط فرانشيسكي بين سوء التغذية والالتهابات المزمنة وبين تراكم ما وصفه بـ”الحطام الالتهابي”، وهي مواد بيولوجية مرتبطة باستمرار الالتهاب ويحتاج الجسم إلى التخلص منها.
ويختلف حجم هذا العبء من شخص إلى آخر، لكنه يميل إلى التراكم مع مرور السنوات.
ووفقاً لفرانشيسكي، يرتبط المسار المؤدي إلى بعض مظاهر الشيخوخة بالالتهاب المزمن والجهد الذي يبذله الجسم للتعامل مع هذه التراكمات.
والالتهاب في حد ذاته استجابة طبيعية وضرورية للجسم، لكن استمراره لفترات طويلة قد يسهم في إحداث تغيرات مزمنة في الأنسجة والأعضاء.
الميكروبيوم المعوي ودوره المحتمل
يسلط فرانشيسكي الضوء أيضاً على الميكروبيوم المعوي، وهو المجتمع الواسع من الكائنات الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي، ويربط بعض مظاهر التقدم في العمر بحالة تعرف باسم “خلل التوازن الميكروبي”، أي حدوث تغير في التركيبة الطبيعية لهذه الكائنات.
ومن هذا المنطلق، يشدد على أهمية العناية بصحة الأمعاء، ويشير إلى حمية البحر الأبيض المتوسط باعتبارها أحد الأنماط الغذائية التي تستحق الاهتمام، نظراً لاعتمادها على أطعمة متنوعة مثل الخضار والفواكه والحبوب والبقوليات ومصادر الدهون الصحية.
ويرى أن هذا النمط الغذائي قد يساعد في الحد من الالتهاب ودعم توازن أفضل للميكروبات المعوية.
وتعكس هذه الرؤية اتجاهاً يركز على الوقاية والعادات الصحية طويلة الأمد، بدلاً من انتظار ظهور الأمراض المرتبطة بالشيخوخة ثم البحث عن علاج لها.
النشاط البدني لا يقل أهمية عن الغذاء
يتفق أندريه أبراموف، رئيس مختبر فسيولوجيا الخلية وعلم الأمراض في جامعة أوريول الحكومية وأستاذ معهد كوين سكوير لطب الأعصاب في جامعة كوليدج لندن، مع أهمية التغذية، لكنه يرى أنها تمثل جانباً واحداً فقط من جوانب الشيخوخة الصحية.
ويولي أبراموف أهمية خاصة للنشاط البدني ونمط الحياة النشط، مشيراً إلى أن ممارسة التمارين لا تقتصر فوائدها على العضلات، وإنما ترتبط أيضاً بتحفيز أنماط معينة من نشاط الدماغ.
ويشبه ذلك بما يحدث للعضلات عند التوقف عن استخدامها، إذ يرى أن الجهاز العصبي بدوره يحتاج إلى الاستمرار في النشاط والتحفيز للحفاظ على وظائفه.
لماذا يمثل التقاعد مرحلة مهمة؟
يرى أبراموف أن مرحلة التقاعد قد تشكل نقطة تحول مهمة في حياة الإنسان، مستشهداً ببيانات تشير إلى وجود ارتباط بين معدلات الإصابة ببعض الأمراض التنكسية العصبية، مثل ألزهايمر وباركنسون وأنواع مختلفة من الخرف، وبين سن التقاعد.
ويطرح تفسيراً مفاده أن الأشخاص الذين اعتادوا على حياة مليئة بالمهام والتحديات الذهنية والتنظيم اليومي قد يواجهون انخفاضاً كبيراً في مستوى نشاطهم بعد ترك العمل.
وبحسب هذا الطرح، فإن الجسم والجهاز العصبي يتكيفان مع مستوى الاستخدام والنشاط، بينما قد تتراجع بعض الوظائف تدريجياً عندما يقل الطلب عليها.
لذلك يشدد أبراموف على أهمية استمرار النشاط الذهني والبدني بعد التقاعد، وعدم اعتبار هذه المرحلة نهاية للحياة النشطة، بل بداية لنمط جديد يحافظ على الحركة والتفاعل والتحفيز العقلي.
الشيخوخة الصحية تبدأ قبل ظهور المشكلات
يختلف تركيز العالِمين؛ إذ يركز فرانشيسكي على التغذية والالتهابات وصحة الميكروبيوم، بينما يركز أبراموف على النشاط البدني والذهني وأهمية الحفاظ على نمط حياة نشط بعد التقاعد.
لكن الطرحين يلتقيان عند أهمية الوقاية والعادات التي تستمر لسنوات طويلة، بدلاً من الانتظار حتى تظهر الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر.
ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، يشير أبراموف إلى أهمية مواصلة البحث العلمي في علاج الأمراض التنكسية العصبية والوقاية منها، مع التأكيد على أن التقدم الطبي المستقبلي لا يلغي قيمة الإجراءات الصحية المتاحة في الوقت الحالي.
وبذلك، لا ترتبط الشيخوخة الصحية بما يبدأ الإنسان بفعله عند بلوغ السبعين فقط، بل بعادات تتشكل خلال عقود، تشمل نوعية الغذاء، ومستوى الحركة، والنشاط الذهني، والتفاعل الاجتماعي، والحفاظ على نمط حياة نشط.
سبوتنيك عربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى