سمك مصري يغرق الأسواق.. خسائر للمربين في سهل الغاب

بين مطرقة الأمراض وسندان الاستيراد، يعيش مربو الأسماك في سهل الغاب بريف حماة موسمًا قاسيًا يهدد استثماراتهم بالخسارة الكاملة. فمع بدء موسم قطاف أسماك الكارب المحلية، أغرقت الأسواق شحنات ضخمة من الأسماك المجمدة المستوردة (أبرزها السمك المصري) بأسعار زهيدة لا تغطي تكاليف الإنتاج المحلي. رئيس رابطة المزارعين، علاء رمضان سعيد، أكد أن الأزمة تتكرر سنويًا في هذا التوقيت، محذرًا من أن هذه الضغوط التسويقية تأتي عقب خسائر فادحة تكبدها القطاع هذا العام نتيجة موجة نفوق وبائية، مما دفع الصيادين والمربين للمطالبة بضرورة جدولة حركة الاستيراد وتأجيل الشحنات المستوردة لما بعد ذروة الإنتاج الوطني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
أسعار الاستيراد تضغط على المنتج المحلي
بحسب سعيد، يتراوح سعر كيلو السمك المصري المستورد بين دولار ونصف ودولارين، وهو ما يمثل، وفق تقديره، ربع إلى نصف التكلفة الحقيقية لإنتاج الكيلوغرام محليًا.
وأشار إلى أن المربين ينتجون أصنافًا مشابهة للمستوردة، ولا سيما الكارب والمشط، معتمدين بصورة كاملة على المياه الجوفية والطاقة الشمسية.
وتتراوح تكلفة إنتاج الطن الواحد في المزرعة بين 3000 و4000 دولار، في ظل غياب الأعلاف المدعومة والتسهيلات الحكومية، وفق رئيس الرابطة.
وقال سعيد إن تدفق الأسماك المجمدة المستوردة يؤدي إلى كسر أسعار الأسماك الطازجة المحلية، ما يجبر المزارعين على البيع بخسارة.
ولا يطالب المربون، بحسب سعيد، بوقف الاستيراد بشكل كامل، وإنما بتنظيمه وتأجيل دخول شحنات الأسماك المصرية والمجمدة خلال أشهر الذروة المحلية، بما يتيح للمزارعين تفريغ أحواضهم وتسويق إنتاجهم.
وأضاف أن الإجراءات المقترحة تهدف إلى حماية مئات العائلات والمربين الذين عادوا مؤخرًا من المخيمات، واستدانوا لإعادة تأهيل مزارعهم المتهالكة.

نفوق واسع لأسماك الكارب
إلى جانب أزمة التسويق، تعرضت مزارع الأسماك هذا الموسم لموجة نفوق وأمراض طالت أسماك الكارب.
وقال المزارع سالم خالد حج قدور إن نسبة النفوق بلغت نحو 70% في معظم المزارع، مشيرًا إلى وجود أحواض نفقت أسماكها بالكامل، بينما تراوحت الخسائر في مزارع أخرى بين 50 و70%.
وأضاف أن الموجة تسببت بضرر كبير للمربين، حتى في الحالات التي نجا فيها بعضهم من نفوق الأسماك في مزارعهم.
ويتركز الإنتاج في سهل الغاب على الكارب والمشط، وكان المربون يعتمدون في السابق بدرجة أكبر على المشط بسبب غزارة إنتاجه داخل الأحواض.
وينتج الحوض الذي تبلغ مساحته 20 دونمًا بين 5 و6 أطنان من الكارب، وقد يصل الإنتاج إلى 10 أطنان في أفضل ظروف العناية، بينما يتراوح إنتاج المساحة نفسها من أسماك المشط بين 30 و35 طنًا.
لكن قدور أوضح أن المربين أحجموا عن زراعة المشط هذا العام بسبب منافسة الأسماك المستوردة من مصر، والتي أغرقت الأسواق خلال الموسم الماضي وخفضت سعر الكيلوغرام إلى ما بين دولار ودولارين، وهو سعر لا يغطي تكاليف الإنتاج، بحسب قوله.

ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة
تزيد تكاليف التشغيل من الضغوط التي يواجهها مربو الأسماك، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الأعلاف والمازوت.
وقال قدور إن المربين يضطرون إلى تشغيل مولدات ومحركات تعمل بالمازوت ليلًا لضخ المياه وتوفير الأكسجين، في ظل غياب الكهرباء، بينما يعتمدون على الطاقة الشمسية خلال النهار.
وأشار إلى أن تقنيات تربية الأسماك شهدت تطورًا مقارنة بالمراحل الأولى، لكن غياب المشجعات والدعم يحول دون توسيع النشاط وزيادة الإنتاج.
وأضاف أن دخول الأسماك المستوردة يتزامن عادة مع بداية موسم البيع المحلي في الأول من أيلول، ما يؤدي إلى كساد في السوق وتراجع حركة البيع والأسعار.
وبحسب قدور، كان المربون يبيعون في السابق أطنانًا من الأسماك يوميًا، بينما أصبح تسويق طن واحد حاليًا أمرًا صعبًا، وفي بعض الأحيان غير ممكن.
تراجع الدعم وتقليص الإنتاج
وأوضح قدور أن المربين كانوا يحصلون سابقًا على بعض أشكال الدعم، بينها رخص للأعلاف والمازوت بأسعار مخفضة، إضافة إلى تأجير آليات لحفر وتعزيل القنوات والمصارف المائية.
أما حاليًا، فيتحمل المربون تكلفة تعزيل المصارف المحاذية لمزارعهم على نفقتهم الخاصة، وفق ما ذكره.
وقال إن المزارع تعمل حاليًا بأقل من 20 إلى 25% من طاقتها الإنتاجية، بينما اتجه بعض المربين إلى تقليص نشاطهم أو إيقاف التغذية والعمل خلال فصل الشتاء لتجنب الإفلاس.
مربو المشط مضطرون للبيع قبل الشتاء
وتبدو الأزمة أكثر حدة بالنسبة لمربي أسماك المشط، إذ أوضح قدور أنهم يضطرون إلى بيع إنتاجهم قبل حلول الشتاء بأي سعر، سواء حققوا ربحًا أم تكبدوا خسارة.
ويعود ذلك، بحسبه، إلى أن أسماك المشط لا تتحمل المياه الباردة، وتحتاج إلى ضخ المياه الجوفية الدافئة على مدار الساعة للحفاظ عليها، ما يرفع تكاليف التشغيل إلى مستويات يصعب تحملها.
وحذر قدور من أن آثار الاستيراد لا تقتصر على المزارعين، بل تمتد إلى العمال والمفرخات وموردي الأعلاف، معتبرًا أن استمرار الوضع يؤدي إلى خسائر لهذه القطاعات.
مقترح لوقف استيراد الكارب والمشط مؤقتًا
من جهته، قال مدير فرع الهيئة العامة للثروة السمكية في حماة، الدكتور حسين يوسف حسين، إن الهيئة لا تمانع من حيث المبدأ في استيراد الأسماك، لأن الإنتاج المحلي الحالي لا يغطي كامل احتياجات السوق، وللمواطنين الحق في الحصول على الأسماك بأسعار مناسبة.
وأوضح حسين أن فرع الهيئة رفع كتابًا رسميًا صادرًا عن رابطة مزارعي الأسماك إلى المدير العام للهيئة، يتضمن مقترحًا لمخاطبة وزارة الزراعة بهدف وقف استيراد أسماك المياه العذبة، وتحديدًا الكارب والمشط، بصورة مؤقتة خلال فترة ذروة الإنتاج المحلي.
وبحسب المقترح، تمتد فترة وقف الاستيراد من بداية أيلول حتى نهاية كانون الثاني.
وقال حسين إن الهدف من الإجراء المقترح هو حماية المربين ومساعدتهم على تسويق إنتاجهم في ظل الصعوبات الحالية، بما يتيح لهم تحقيق إيرادات تتناسب مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأشار إلى أن المقترح يأتي أيضًا بعد الخسائر الفادحة التي تعرضت لها المزارع نتيجة الجائحة المرضية، وعودة المزارعين مؤخرًا إلى إعادة تأهيل مزارعهم المحررة.
وأضاف أن باب الاستيراد سيعاد فتحه بصورة طبيعية بعد انتهاء الفترة المقترحة.
عنب بلدي



