الاخبار

سورية.. إلى أين ملف السويداء عقب تفعيل الاتفاق الثلاثي في عمّان؟

عاد ملف محافظة السويداء جنوبي سورية إلى واجهة الاهتمام السياسي، بالتزامن مع سلسلة لقاءات ومشاورات شارك فيها مسؤولون من سوريا والأردن وتركيا والولايات المتحدة، بحثت مستقبل المحافظة وإمكانية إعادة تفعيل الاتفاق الثلاثي المبرم في العاصمة الأردنية عمّان.
وتزامن ذلك مع مواقف جديدة للمبعوث الأميركي إلى سورية توم باراك تجاه الطروحات الانفصالية للشيخ حكمت الهجري، في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة بسط سلطتها على المحافظة ضمن الآلية التي أتاحتها خارطة طريق عمّان.
وفي المقابل، كثفت إسرائيل تصريحاتها بشأن حماية الدروز في السويداء وسائر المناطق السورية، لكنها لم تعلن تأييدا صريحا لدعوة الهجري إلى انضمام السويداء إلى إسرائيل أو لطرحه المتعلق باعتبار الدروز جزءا من الدولة الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن هذا الموقف الإسرائيلي قد يبقي ملف السويداء ورقة قابلة للاستخدام في أي مفاوضات مقبلة مع دمشق، خصوصاً في ما يتعلق بالترتيبات الأمنية في الجنوب السوري والحد من النفوذ التركي.
أزمات معيشية وانقسام في المواقف
ولا يقتصر المشهد في السويداء على التجاذبات السياسية، إذ تعاني المحافظة في الوقت نفسه من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، مع ارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد الأساسية وتراجع الخدمات.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد حالة الاستياء الشعبي، بالتزامن مع استمرار الخلافات السياسية والأمنية والاحتكاكات مع القوات الحكومية الموجودة على أطراف المحافظة، إضافة إلى تداعيات النزوح والقرى المهجّرة.
كما برز خلاف داخل المجتمع المحلي حول سقف المطالب السياسية وطبيعة العلاقة المستقبلية مع دمشق، إلى جانب الجدل حول مواقف الشيخ حكمت الهجري ودوره في تحديد الموقف السياسي للمحافظة.
تحرك إقليمي لإنهاء الوضع القائم
ويرى المحلل السياسي سميح الفاضل أن الحكومة السورية تسعى للاستفادة من الدعم الدولي لوحدة الأراضي السورية واستعادة سلطة الدولة على كامل الجغرافيا، بما فيها السويداء.
وأشار الفاضل إلى أن اللقاءات التي جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الأردني أيمن الصفدي في دمشق، إلى جانب محادثاته السابقة في أنقرة مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوث الأميركي توم باراك، تندرج ضمن مساع لدفع تنفيذ خارطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء.
وبحسب الفاضل، فإن تصريحات الهجري الأخيرة بشأن الانفصال وعلاقته بإسرائيل ساهمت، بشكل غير مباشر، في تحريك ملف السويداء بعد فترة من الجمود، خصوصا مع ظهور أصوات محلية ترفض احتكار قرار المحافظة أو ربط مستقبلها بإسرائيل.
وأضاف أن اتفاق عمّان يشكل أحد المسارات المطروحة، باعتباره يؤكد بقاء السويداء ضمن الدولة السورية ويضع حدا أمام أي مشاريع انفصالية.
ويرى الفاضل أن المزاج العام في المحافظة بدأ يميل نحو خيارات أكثر واقعية، مع إدراك متزايد بأن مشروع الانفصال يواجه عقبات كبيرة، خاصة في ظل عدم تقديم إسرائيل دعما صريحا لهذا الطرح.
لا موقف موحدا داخل السويداء
في المقابل، يؤكد رئيس منظمة “جذور” في السويداء خالد سلوم أن المحافظة لا يمكن اختزالها في موقف سياسي واحد أو بشخصية واحدة.
وقال سلوم إن جزءا كبيرا من المجتمع المحلي فقد الثقة بالسلطة المؤقتة نتيجة الأحداث والانتهاكات وسوء الإدارة والتراكمات الأمنية والسياسية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود تباين واضح داخل المجتمع حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع دمشق وسقف المطالب السياسية.
وبشأن الشيخ حكمت الهجري، يرى سلوم أن للرجل حضورا وتأثيرا لدى شريحة من أبناء المحافظة، وأن بعض مؤيديه يعتبرون مواقفه تعبيرا عن مخاوف مرتبطة بالأمن والكرامة والحقوق والعدالة.
لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن جميع أبناء السويداء يتبنون مواقفه، خصوصا فيما يتعلق بإسرائيل، مشيرا إلى وجود اختلافات داخل المجتمع المحلي بشأن العلاقة مع الدولة السورية، وشكل الإدارة المحلية، وتقرير المصير، والضمانات المطلوبة لحماية السكان.
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب الاستماع إلى مختلف الأصوات، بدلا من التعامل مع السويداء باعتبارها كتلة سياسية واحدة.
الخدمات أولوية قبل الحل السياسي
ويرى سلوم أن الأولوية في الوقت الراهن يجب أن تكون لحماية المدنيين وفتح الطرق وتأمين الكهرباء والمياه والمحروقات والمواد الأساسية، إلى جانب إعادة تنشيط الحياة الاقتصادية والخدمية.
وأوضح أن استمرار انقطاع الكهرباء والمياه ونقص المحروقات يفرض معالجة الاحتياجات اليومية للسكان بالتوازي مع البحث عن حلول سياسية، مشيرا إلى أن انقطاع الكهرباء انعكس على إمدادات المياه بسبب توقف عدد من الآبار ومحطات الضخ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الجانب الخدمي عن السياسي، بحسب سلوم، لأن تحسين الخدمات يتطلب مؤسسات فعالة وشفافة وعلاقة واضحة بين الإدارة المحلية والجهات المركزية، إضافة إلى ضمان وصول الموارد والمواد الأساسية إلى السكان بعيدا عن التجاذبات الأمنية والسياسية.
وأكد سلوم أن الحل السياسي للسويداء بات أمرا لا مفر منه، لكنه أشار إلى أن شكل هذا الحل والثمن الذي قد يدفعه المجتمع المحلي لا يزالان غير واضحين.
إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة في المشهد
من جهته، يرى المحلل السياسي حمدان عبد الحق أن الموقف الأميركي من ملف السويداء يبدو ظاهريا مختلفا عن الموقف الإسرائيلي، لكنه يشكك في إمكانية فصل الموقفين عن بعضهما.
وقال عبد الحق إن التصريحات الإسرائيلية المتعلقة بالسويداء ما زالت في إطار التحركات السياسية والأمنية، مثل الحديث عن حماية الدروز وإمكانية تشغيل عمال دروز من السويداء في إسرائيل، بينما تتجنب تل أبيب حتى الآن تحديد شكل العلاقة السياسية المستقبلية للمحافظة.
ويرى أن إسرائيل قد تفضل إبقاء الملف مفتوحا لاستخدامه في المفاوضات المقبلة مع دمشق، خصوصا في ما يتعلق بالترتيبات الأمنية في الجنوب السوري.
كما أشار إلى أن التطورات الإقليمية المرتبطة بممرات التجارة والطاقة بين تركيا والسعودية وسوريا والأردن قد تكون عاملا إضافيا في الحسابات الإسرائيلية، في ظل أهمية الجنوب السوري وموقعه الجغرافي.
وأضاف أن عدم حصول الهجري على اعتراف إسرائيلي واضح بمشروعه قد دفعه إلى رفع سقف خطابه، بما في ذلك الحديث عن انتماء الدروز إلى إسرائيل، وهو طرح أثار اعتراضات داخل أوساط درزية مختلفة.
مستقبل غامض للسكان
وبينما تتواصل التحركات الإقليمية والدولية، لا تزال السويداء أمام مشهد سياسي وأمني معقد، في ظل غياب توافق داخلي واضح حول مستقبل المحافظة.
ويبدو أن السكان يواجهون ضغوطا متزامنة بين الحاجة إلى الاستقرار وتحسين الظروف المعيشية من جهة، والخلاف حول شكل العلاقة مع دمشق والضمانات السياسية والأمنية المطلوبة من جهة أخرى.
وتبقى الأسئلة المتعلقة بمستقبل المحافظة مرتبطة إلى حد كبير بمسار التفاوض بين دمشق والقوى الإقليمية والدولية، وبمدى قدرة الأطراف المحلية على التوصل إلى موقف يضمن حقوق السكان ويحافظ على وحدة سوريا.
ماذا تتضمن خارطة طريق السويداء؟
تتضمن خارطة الطريق الثلاثية مجموعة من الإجراءات، أبرزها:
دعوة الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة للتحقيق في أحداث السويداء ومحاسبة المتورطين بالانتهاكات وفق القانون السوري.
استمرار إدخال المساعدات الإنسانية والطبية بالتعاون مع الأمم المتحدة، والعمل على إعادة الخدمات الأساسية بدعم من الأردن والولايات المتحدة.
نشر قوات شرطة مؤهلة على طريق السويداء – دمشق لضمان حركة السكان والتجارة، مع سحب المقاتلين المدنيين من حدود المحافظة واستبدالهم بقوات نظامية.
دعم جهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر للإفراج عن المحتجزين والمخطوفين واستكمال عمليات التبادل.
عقد اجتماعات في الأردن تجمع ممثلين عن المكونات المحلية في السويداء، إلى جانب ممثلين عن العشائر البدوية، بهدف دعم جهود المصالحة.
وضع خطط لإعادة إعمار القرى والممتلكات المتضررة وتأمين التمويل بمساعدة أردنية وأميركية.
تعزيز خطاب وطني يقوم على الوحدة والمساواة، إلى جانب تجريم خطاب الكراهية والطائفية من خلال تشريعات جديدة بدعم قانوني من واشنطن وعمّان.
RT

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى