اقتصاد

سورية بين الخليج وأوروبا.. هل تتحول دمشق إلى ممر تجاري جديد؟

تعود سورية تدريجياً إلى خريطة طرق النقل الإقليمية، مع استعادة حركة شاحنات الترانزيت بين الخليج وتركيا، وتقدم الاستثمارات في الموانئ السورية، بالتوازي مع محاولات إعادة تشغيل أجزاء من شبكة السكك الحديدية التي توقفت لسنوات.
ولا تسير هذه المسارات بالسرعة نفسها؛ فالطريق البري بدأ يشهد حركة فعلية، فيما تتقدم مشاريع تطوير مرفأي اللاذقية وطرطوس، بينما لا يزال الربط السككي الذي يمكن أن يصل الخليج بتركيا وأوروبا بحاجة إلى استكمال أجزاء رئيسية قبل أن يتحول إلى ممر منتظم لنقل البضائع.
وأخذ هذا التوجه بعداً سياسياً واضحاً في البيان السعودي الفرنسي المشترك الذي نشرته الرئاسة الفرنسية في 25 أغسطس/آب 2026، حيث أشار البلدان إلى إمكانية إعادة تموضع سورية بوصفها جسراً بين أوروبا والخليج وآسيا، من خلال تطوير طرق بديلة، إلى جانب الترحيب بتأسيس مجلس الأعمال السعودي السوري الفرنسي.
لكن تحويل هذا الطرح إلى واقع تجاري لا يرتبط بوجود مشاريع منفردة فقط، بل بقدرة سورية على جمع الطرق والموانئ والسكك والخدمات اللوجستية ضمن ممر متكامل تستطيع شركات النقل الاعتماد عليه وحساب تكلفته ومدة الرحلة عبره.
الطريق البري يستعيد دوره
يبدأ أحد أكثر مسارات النقل البري جاهزية من شبكة الطرق السعودية باتجاه منفذ الحديثة على الحدود الأردنية، ثم عبر المفرق وجابر وصولاً إلى معبر نصيب السوري.
ومن نصيب، تمر الشاحنات عبر دمشق وحمص وحلب وإدلب وصولاً إلى معبر باب الهوى، ثم تدخل الأراضي التركية عبر جيلوة غوزو، لتواصل طريقها عبر غازي عنتاب والأناضول وإسطنبول باتجاه بلغاريا وأوروبا.
ويمثل الطريق الدولي «M45» العمود الفقري لهذا المسار داخل سورية، إذ يصل الحدود الأردنية بالحدود التركية مروراً بعدد من أهم المدن والمراكز الاقتصادية السورية.
وبدأت حركة الترانزيت عبر هذا المحور بالعودة فعلياً منذ نهاية عام 2025، عندما أعلن الاتحاد الدولي للنقل الطرقي (IRU) استئناف عمليات النقل العابر من تركيا عبر سورية إلى أسواق الخليج في ديسمبر/كانون الأول.
وتوفر منظومة النقل البري الدولي «TIR» إمكانية عبور الشحنات بين الدول ضمن ضمان جمركي دولي، ما يقلل الإجراءات التي يمكن أن تواجهها الشاحنات عند عبور الحدود.
وفي يوليو/تموز 2026، أظهرت تجربة عملية قدرة هذا المسار على ربط أوروبا بالخليج، عندما نقلت شحنة مبردة من أيرلندا إلى الإمارات مروراً بـ13 دولة، من بينها تركيا سورية والأردن والسعودية. وقطعت الشحنة نحو 8 آلاف كيلومتر خلال 20 يوماً، مع بقائها في المركبة نفسها طوال الرحلة.
وتشير أرقام عام 2026 إلى توسع حركة العبور، إذ أعلنت هيئة المعابر والجمارك السورية في 27 أغسطس/آب عبور أكثر من 30 ألف شاحنة ترانزيت من المعابر السورية التركية خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، مقابل نحو 3500 شاحنة خلال عام 2025 بأكمله.
أما على خط تركيا ـ سورية ـ الأردن ـ السعودية تحديداً، فقدرت حركة الشاحنات خلال مباحثات سورية سعودية في 13 أغسطس/آب بنحو 30 شاحنة يومياً، مقابل حوالي 10 شاحنات سابقاً، مع وجود هدف لرفع العدد إلى 100 شاحنة يومياً.
وهذا يمنح سورية فرصة للعمل ضمن اتجاهين متكاملين: طريق بري يصلها بتركيا والأناضول، ومسار بحري يمكن أن ينطلق من موانئها على البحر المتوسط.
الموانئ السورية تدخل المنافسة
تتقدم الموانئ السورية حالياً على مشروع الربط السككي الدولي من حيث الجاهزية والاستثمارات المعلنة.
ففي ميناء اللاذقية، تتولى مجموعة «سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية (CMA CGM) تشغيل محطة الحاويات بموجب امتياز يمتد 30 عاماً، بينما تدير شركة موانئ دبي العالمية ميناء طرطوس ضمن امتياز مماثل.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية لكون الشركتين تعملان ضمن شبكات عالمية في مجالات الشحن وإدارة الموانئ والخدمات اللوجستية.
وفي اللاذقية، خصصت «سي إم إيه سي جي إم» نحو 230 مليون يورو لتحديث محطة الحاويات، مع استهداف رفع طاقتها إلى أكثر من مليون حاوية نمطية سنوياً.
أما في طرطوس، فتعمل موانئ دبي العالمية على تنفيذ برنامج استثماري بقيمة 800 مليون دولار، ووصلت في أغسطس/آب 2026 أول ثلاث رافعات مينائية متحركة ضمن خطة تطوير المرفأ.
ويمكن لهذه الاستثمارات أن تمنح سوريا دوراً إضافياً في حركة التجارة، خصوصاً إذا جرى ربط الموانئ بشكل فعال بشبكة الطرق والسكك والمراكز اللوجستية الداخلية.
السكك الحديدية.. الحلقة الأصعب
تمثل شبكة السكك الحديدية التحدي الأكبر أمام تحويل سورية إلى ممر تجاري متكامل.
ويبلغ طول الشبكة السورية نحو 2852 كيلومتراً، بينما أعلنت وزارة النقل في مايو/أيار 2026 أن نحو 1052 كيلومتراً منها كانت عاملة، مع استمرار الحاجة إلى إعادة تأهيل الوصلات الدولية.
ومن المشاريع التي عادت إلى الخدمة خط اللاذقية ـ عدرا قرب دمشق، بطول يقارب 360 كيلومتراً، والذي أعيد تشغيله في مايو/أيار 2026 للمرة الأولى منذ 14 عاماً، وشهد وصول أول قطار حاويات تجريبي.
كما ارتفع حجم الشحن عبر السكك خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إلى نحو 663 ألف طن، مقارنة بـ418 ألف طن في الفترة نفسها من العام السابق، مع تركز معظم الحركة في الوقود والمواد الأولية داخل سورية.
لكن تحويل السكك إلى ممر دولي يحتاج إلى ربط الشبكة السورية بخطوط الأردن والسعودية وتركيا، وهو مشروع يتطلب استثمارات كبيرة وأعمال تأهيل وإنشاء لعدد من المقاطع المفقودة.
ما الذي تحتاجه سورية لتصبح دولة عبور؟
رغم عودة حركة الترانزيت، لا تزال هناك مجموعة من العقبات أمام تحول سورية إلى ممر تجاري إقليمي رئيسي.
في مقدمتها رفع كفاءة الطريق الدولي «M45»، خصوصاً بين نصيب وباب الهوى. وفي يونيو/حزيران 2026، طرحت وزارة النقل السورية مناقصات لتأهيل نحو 463 كيلومتراً من الطريق، موزعة بين نصيب ودمشق، ودمشق وحمص، وحمص وحلب، إضافة إلى وصلة سراقب ـ إدلب.
وتتراوح مدة تنفيذ الأعمال المطروحة بين 400 و500 يوم، بينما لم تعلن حتى الآن الكلفة الإجمالية للمشروع.
ولا يقتصر تطوير الطريق على تعبيد المقاطع المتضررة، بل يحتاج أيضاً إلى تحسين الجسور والتقاطعات، وتجهيز ساحات انتظار ومحطات وزن وخدمات صيانة، بما يسمح للشاحنات الثقيلة بالعمل بصورة منتظمة وعلى مدار الساعة.
أما المعابر الحدودية، فتمثل تحدياً آخر، لأن طول فترة الانتظار قد يلغي ميزة المسار الأقصر.
وفي هذا الإطار، بدأت سورية في أبريل/نيسان 2026 توسعة معبر باب الهوى على مساحة تقارب 200 ألف متر مربع، بينما افتتحت وزارة التجارة التركية في أغسطس/آب ساحة جديدة في جيلوة غوزو قادرة على استيعاب نحو 1200 مركبة.
وتواصلت المباحثات بين الجانبين بشأن تخصيص مسارات للترانزيت وتسريع حركة الشاحنات، فيما شهد معبر نصيب أيضاً أعمال تطوير رفعت قدرته على استقبال حركة تجارية أكبر.
وتساهم منظومة «TIR» في تخفيف الإجراءات الجمركية، لكن سوريا وتركيا والأردن لا تزال بحاجة إلى مزيد من التفاهمات بشأن النقل المباشر ورسوم العبور والإدخال المؤقت وإعادة التصدير.
وفي يوليو/تموز، افتتحت السلطات السورية مركز «النافذة الواحدة» في مرفأ اللاذقية بهدف تقليص مدة التخليص، وهي تجربة يمكن أن تتوسع لاحقاً إلى نصيب وباب الهوى وطرطوس، بالتزامن مع تطوير الأنظمة الإلكترونية وقياس زمن عبور الشاحنات.
الربط الخليجي التركي عبر السكك
إذا كان الطريق البري هو الجزء الأسرع في العودة إلى العمل، فإن السكك الحديدية تمثل المشروع الأكثر احتياجاً إلى التمويل.
فإنشاء ممر حديدي متصل يتطلب ربط السعودية بالأردن ثم سوريا وصولاً إلى شبكة السكك التركية.
وقال وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو في 14 يونيو/حزيران 2026 إن تركيا والسعودية تستهدفان إنجاز هذا الربط خلال فترة تتراوح بين 3 و4 سنوات.
وقدرت الحلقة التي تحتاج إلى إنشاء أو إعادة تأهيل عبر الأردن وسورية بنحو 400 كيلومتر، فيما قدرت كلفة إعادة تأهيل الجزء الممتد بين الحدود التركية وحلب وحده بنحو 100 مليون دولار.
وفي السعودية، أطلقت الخطوط الحديدية السعودية «سار» ممرًا لوجستياً يربط موانئ المنطقة الشرقية باتجاه منفذ الحديثة، ما يجعل استكمال الحلقة الأردنية السورية عاملاً أساسياً في ربط الشبكة السعودية بالمسار المتجه شمالاً.
هل تنافس سورية «طريق التنمية» العراقي؟
لا تتحرك سورية في فراغ، فهناك مشاريع إقليمية أخرى تسعى إلى جذب حركة التجارة بين الخليج وأوروبا، أبرزها «طريق التنمية» العراقي.
ويمتد المشروع لأكثر من 1200 كيلومتر من ميناء الفاو على الخليج، مروراً بالبصرة وبغداد والموصل، وصولاً إلى تركيا، ويجمع بين الطرق البرية والسكك والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية.
ووقعت العراق وتركيا وقطر والإمارات في عام 2024 إطار تعاون رباعياً للمشروع، ما منحه هيكلاً حكومياً واضحاً ومساراً محدداً بين الخليج والحدود التركية.
ويتمتع العراق أيضاً بتقدم نسبي في تمويل مشاريع السكك، بعدما وافق البنك الدولي في يونيو/حزيران 2025 على مشروع بقيمة 930 مليون دولار لتحديث وتوسعة نحو 1047 كيلومتراً من الخطوط بين أم قصر والموصل.
وفي يوليو/تموز 2026، تحدث الجانب التركي عن بدء أعمال مرتبطة بطريق التنمية خلال العام نفسه، مع تقدير كلفة خط السكك بنحو 15 مليار دولار وأفق زمني يتراوح بين 4 و5 سنوات بعد تأمين التمويل والتصاريح.
وفي المقابل، يتمتع المسار السوري بميزة مختلفة، إذ إن جزءاً من الطريق البري يعمل بالفعل، كما أن الموانئ السورية موجودة وقابلة للتطوير، ما يسمح ببناء الممر تدريجياً بدلاً من انتظار اكتمال مشروع متكامل من الصفر.
وأين يقع «الممر الاقتصادي»؟
هناك منافس إقليمي آخر يتمثل في الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا «IMEC»، الذي أُعلن عنه على هامش قمة مجموعة العشرين في سبتمبر/أيلول 2023.
ويقوم التصور على نقل البضائع من الهند بحراً إلى الخليج، ثم استخدام السكك والموانئ وصولاً إلى البحر المتوسط وأوروبا، إلى جانب مقترحات تتعلق بالطاقة وكابلات البيانات والاتصالات.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أشارت عند إطلاق المشروع إلى إمكانية تقليص مدة التجارة بين الهند وأوروبا بنحو 40%، إلا أن عدداً من الوصلات وترتيبات التمويل والتنفيذ ظل قيد الاستكمال حتى عام 2026.
وتبرز المنافسة مع المسار السوري بشكل خاص بعد وصول البضائع إلى الخليج، حيث تصبح أمامها عدة خيارات للانتقال شمالاً وغرباً، سواء عبر «IMEC» أو طريق التنمية العراقي أو المسار السعودي الأردني السوري باتجاه تركيا، أو عبر الموانئ السورية إلى البحر المتوسط.
سورية أمام فرصة.. لكن المنافسة حقيقية
تملك سورية اليوم فرصة لإعادة بناء دورها كممر تجاري بين الخليج وتركيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن عودة جزء من حركة النقل البري والاستثمارات في الموانئ والسكك.
لكن الموقع وحده لن يكون كافياً. فالناقل التجاري يبحث قبل كل شيء عن طريق آمن ومستقر، وزمن عبور واضح، وتكلفة قابلة للحساب، وإجراءات جمركية سريعة، وخدمات لوجستية ومصرفية وتأمينية قادرة على مواكبة حركة التجارة.
ومن هنا، فإن نجاح المشروع السوري سيتوقف على عدة عوامل متزامنة، أبرزها استكمال تأهيل طريق «M45»، وتطوير المعابر، وتوسيع منظومة «TIR»، واستكمال الربط السككي مع الأردن وتركيا والسعودية، وربط الموانئ بشبكة النقل الداخلية.
ما تحتاج مشاريع البنية التحتية إلى تقديرات مالية نهائية وتمويل مستقر، بالتوازي مع توفير خدمات مصرفية وتأمين وائتمان تساعد شركات النقل والتجارة على احتساب مخاطر الرحلة وكلفتها.
وإذا تمكنت دمشق من جمع هذه العناصر ضمن ممر واحد متكامل، فقد لا تكون مجرد نقطة عبور بين دول المنطقة، بل جزءاً من خريطة تجارية جديدة تربط الخليج بتركيا وأوروبا والمتوسط.
أما العامل الحاسم، فسيبقى قدرة هذا المسار على تقديم رحلة أسرع وأقل كلفة وأكثر موثوقية من الممرات المنافسة، وفي مقدمتها طريق التنمية العراقي والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
الاقتصاد اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى