4 سندات بمليار دولار.. من يمول الخزينة السورية بالخفاء

سجلت المالية العامة في سورية عجزاً بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، وسط فجوة واضحة بين الإيرادات والنفقات، في وقت يثير فيه مصدر تمويل هذا العجز تساؤلات حول الجهة التي قدمت الأموال وآلية سدادها.
وبحسب البيانات الرسمية التي نشرها وزير المالية السوري محمد يسر برنية عبر حسابه على منصة «لينكد إن»، بلغت الإيرادات العامة خلال الأشهر الستة الأولى من العام نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق وصل إلى 3.7 مليار دولار، ما أدى إلى عجز قدره نحو 1.005 مليار دولار.
الرواتب والنفقات التشغيلية في صدارة الإنفاق
تظهر تفاصيل الإنفاق الحكومي أن الجزء الأكبر من الأموال ذهب إلى النفقات الجارية والتشغيلية، في مقدمتها الرواتب والأجور والتعويضات، التي بلغت نحو 1.34 مليار دولار، أي ما يعادل 36.1% من إجمالي المدفوعات.
كما سجلت النفقات الإدارية والتشغيلية للمؤسسات الحكومية نحو 1.03 مليار دولار، بنسبة 27.6% من إجمالي الإنفاق.
أما الإنفاق الاستثماري، فبلغ نحو 1.02 مليار دولار، وبنسبة 27.5%، في مؤشر على استمرار تخصيص جزء مهم من الإنفاق للمشروعات التنموية والاستثمارية.
الإيرادات ترتفع 111% خلال عام
على الجانب الآخر، أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع الإيرادات العامة بنسبة 111% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتصدرت الرسوم الجمركية مصادر الإيرادات، بعدما بلغت حصيلتها نحو 1.08 مليار دولار، أي ما يقارب 40% من إجمالي الإيرادات، تلتها عوائد استثمارات الدولة بنحو 763 مليون دولار.
كما بدأت وزارة المالية اعتباراً من أيار الماضي بتحويل عائدات النفط والغاز إلى حساباتها، بقيمة وصلت إلى نحو 601 مليون دولار، وهو ما شكل مورداً إضافياً للخزينة، مع توقع ظهور أثر هذه الإيرادات بصورة أكبر خلال النصف الثاني من العام.
مليار دولار من سندات قصيرة الأجل.. لكن من المقرض؟
رغم وضوح قيمة العجز، فإن طريقة تمويله تفتح باباً واسعاً من التساؤلات.
ويقول الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم إن الخزينة السورية اقترضت، وفق قراءة التقرير المالي، نحو مليار دولار خلال ستة أشهر، لكن هوية الجهة التي قدمت التمويل لا تظهر بوضوح.
وأشار إلى أن التقرير يذكر ضمن بند «مصادر تمويل العجز» أن التمويل تم عبر سندات قصيرة الأجل تستحق خلال عام، من دون تحديد الجهة المقرضة أو العملة المستخدمة أو العائد أو جدول الاستحقاق.
ويضيف عبد الكريم أن الغموض لا يتعلق فقط بمصدر الأموال، إذ إن الخطة الاستراتيجية الخاصة بإصدار أذون وسندات الخزينة والصكوك السيادية كانت لا تزال قيد النقاش حتى منتصف تموز 2026، أي بعد انتهاء الفترة التي يغطيها التقرير المالي.
وبناءً على ذلك، يطرح الخبير تساؤلاً حول الأداة التي جرى استخدامها فعلياً لتمويل العجز خلال الفترة من كانون الثاني وحتى حزيران.
أربعة احتمالات لتمويل العجز
يرى عبد الكريم أن غياب التفاصيل المتعلقة بمصدر التمويل يترك عدة احتمالات، لكل منها انعكاسات مختلفة على الاقتصاد السوري.
الاحتمال الأول: الاقتراض من مصرف سورية المركزي.
وفي هذه الحالة سيكون التمويل نقدياً، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية والتأثير في سعر الصرف، لتنتقل تكلفة التمويل في النهاية إلى المستهلك عبر ارتفاع الأسعار.
الاحتمال الثاني: اكتتاب المصارف العامة والتجارية بالسندات.
وقد يؤدي ذلك إلى سحب جزء من السيولة المتاحة في القطاع المصرفي، وبالتالي تقليص التمويل المتاح للمشروعات والاستثمارات الخاصة.
الاحتمال الثالث: تمويل ثنائي غير معلن.
وفي حال كان التمويل بالدولار، فقد تواجه الخزينة مخاطر مرتبطة بسعر الصرف، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الإيرادات الحكومية يتحقق بالليرة السورية.
الاحتمال الرابع: تراكم مستحقات على الموردين والمقاولين.
وهذا يعني أن جزءاً من العجز قد يتحول إلى التزامات غير مسددة، وهو ما قد يؤثر مباشرة في السيولة المتوافرة لدى القطاع الخاص.
استحقاق خلال عام يثير مخاوف من «تدوير الدين»
ويكتسب الأمر أهمية إضافية مع الإشارة إلى أن السندات قصيرة الأجل يفترض سدادها خلال عام.
وبحسب عبد الكريم، فإن استحقاق كامل مبلغ يقارب المليار دولار خلال 12 شهراً يطرح سؤالاً أساسياً حول مصدر أموال السداد، خصوصاً إذا لم تحقق الإيرادات مستوياتها المستهدفة.
وهنا يظهر ما يعرف اقتصادياً بـ«خطر تدوير الدين»، أي اللجوء إلى اقتراض جديد من أجل سداد التزامات أو ديون سابقة.
وتأتي زيادة الإنفاق الحكومي، وفق المعطيات الواردة في التقرير، في سياق سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تحسين القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، في محاولة للتخفيف من آثار التضخم وارتفاع الأسعار والاضطرابات الإقليمية.
ويبقى السؤال الأبرز حول العجز المالي السوري ليس فقط كيف ارتفع إلى نحو مليار دولار، بل من أين جاء التمويل، ومن سيتحمل كلفة سداده خلال العام المقبل؟
عنب بلدي


