كيف أعادت سوريا توزيع وظائف مطاراتها بعد سقوط الأسد؟

لم تكن المطارات في سوريا منذ تولي عائلة الأسد الحكم مجرد بنية تحتية مدنية، فقد تحولت مدرجات بعضها تحت حكم حافظ الأسد ونجله بشار إلى منصات لإطلاق غارات قتلت مئات الآلاف. وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط النظام، استهدفت طائرات حربية مجهولة – يرجح أنها إسرائيلية – فجر اليوم الثلاثاء مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الشرقي بعدة غارات تسببت بأضرار مادية دون وقوع إصابات.
وتأتي هذه الضربات في سياق مخاوف إسرائيلية متكررة من تموضع عسكري تركي في قواعد سورية كانت تابعة للنظام السابق. ونقلت صحيفة “معاريف” العبرية عن مصدر أمني إسرائيلي تحذيره، عقب ضربات استهدفت قاعدتي “تي4” وتدمر منتصف العام الماضي، من أن “كل قاعدة تركية في سوريا ستضر بحرية العمل الإسرائيلية”، مشيرة إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي وجه ضرباته نحو مدرجات الإقلاع والهبوط والأصول الاستراتيجية في الموقعين.
وكانت الصحيفة نفسها قد رجحت في وقت سابق أن تضطر إسرائيل، في مواجهة احتمال ترسخ الوجود التركي في سوريا، إلى تشغيل سلاح بحريتها بوسائل قتالية إضافية، ووصفت هذا الاحتمال بأنه “سيناريو الكوابيس”، مستندة إلى تقدير بأن نفوذ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الرئيس السوري أحمد الشرع “كبير”.
دير الزور تخرج من نطاق العسكرة
في 6 آب 2026، أعاد مطار دير الزور فتح أبوابه أمام الرحلات المدنية بعد أكثر من عقد من الإغلاق، حيث استقبل في اليوم نفسه أول رحلة داخلية من دمشق وأول رحلة دولية مجدولة من الكويت، شغلتهما الخطوط الجوية السورية. وقاد وزير الخارجية أسعد الشيباني حفل الافتتاح، وقال: “تحول مطار دير الزور من موقع كان يحمل قنابل أسقطت على المنازل والمزارع، إلى رابط يصل المجتمعات داخل سوريا ويصل سوريا بالعالم الخارجي”.
وظل المطار مغلقاً أمام الحركة المدنية منذ عام 2012 حين اشتد القتال حوله، قبل أن يعاد استخدامه كقاعدة عسكرية تابعة لنظام الأسد انطلقت منها غارات على المناطق المحيطة. وذكر موقع “ترافيلرز توداي” أن أعمال إعادة التأهيل بدأت رسمياً في 4 شباط 2026 تحت إشراف الحكومة الانتقالية، وأُعلن اكتمالها في تموز الماضي.
حميميم وطرطوس: من قاعدة نفوذ روسية إلى مركز تدريب مشترك
على الساحل السوري، شهدت قاعدة حميميم الجوية تحولاً من نوع مختلف، إذ توصلت دمشق وموسكو إلى مذكرة تفاهم أعلنتها وزارة الخارجية السورية في 9 آب 2026، تقضي بأن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المدنية في المطار، فيما تعاد صياغة وظيفة المنشآت العسكرية لتتحول إلى “مراكز تدريب وتأهيل مشتركة” خلال مهلة أقصاها ثلاثة أشهر.
وكانت حميميم قد تحولت إلى مركز رئيسي لعمليات القوات الجوية الروسية منذ التدخل العسكري المباشر لموسكو في سوريا عام 2015 دعماً للنظام المخلوع. وأفادت وكالة “بلومبرغ” في تقرير سابق بأن روسيا استأنفت رحلاتها العسكرية إلى حميميم بعد توقف دام ستة أشهر، في مؤشر على تجدد حضورها العسكري في سوريا بعد فترة من الغموض أعقبت سقوط الأسد.
T4 (تياس): استهداف إسرائيلي مباشر لقطع الطريق على أي قاعدة تركية
في المقابل، تحولت قاعدة “تياس” الجوية العسكرية (T4) الواقعة قرب تدمر في محافظة حمص إلى بؤرة توتر إقليمي، حين تدخلت إسرائيل عسكرياً بشكل مباشر لمنع أي تموضع تركي فيها.
وكشفت وكالة “رويترز” في تحقيق استقصائي أن فرقاً عسكرية تركية كانت قد تفقدت قاعدتي “تياس” وتدمر في حمص، إضافة إلى المطار الرئيسي في حماة، لتقييم حالة المدارج والحظائر تمهيداً لاتفاق دفاعي مشترك مع دمشق. غير أن زيارة تفقدية أخرى كانت مقررة للقاعدتين في 25 آذار 2025 أُلغيت بعدما ضربتهما إسرائيل قبل ساعات فقط من موعدها.
وأوضحت “رويترز” أن هذا التصعيد جاء رغم محاولات أنقرة طمأنة واشنطن بأن توسيع حضورها العسكري في سوريا “لا يهدف إلى تهديد إسرائيل”، في وقت ظلت فيه إسرائيل تضغط لدى الولايات المتحدة لكبح النفوذ التركي المتنامي. ونقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مسؤول إسرائيلي وصفه لأي موطئ قدم عسكري تركي في سوريا بأنه “تهديد محتمل”.
دمشق وحلب تفتحان الباب أمام التعافي
استأنف مطار دمشق الدولي عملياته للمرة الأولى منذ سقوط الأسد في 18 كانون الأول 2024، إذ أقلعت أول رحلة داخلية إلى حلب، بينما حلقت طائرة تابعة للملكية الأردنية فوق الأجواء السورية المفتوحة في طريقها إلى بيروت. وفي مطلع كانون الثاني 2025، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري استئناف الرحلات الدولية من مطار دمشق.
ومطار حلب الدولي استأنف حركة الطيران في 18 آذار 2025، بعدما فُتح ممر جوي جديد باتجاه البحر المتوسط ساعد على إحياء الحركة التجارية عبر المدينة. وكانت الخطوط الجوية السورية تستعد لتشغيل رحلات جديدة إلى موسكو والمدينة المنورة اعتباراً من منتصف آب 2026، في مؤشر على استمرار زخم التعافي، مع بقاء شركات الطيران الأوروبية والآسيوية والأميركية الكبرى غائبة لحين استقرار الأوضاع الأمنية.
قاعدة الشعيرات
برزت قاعدة الشعيرات الجوية في محافظة حمص كواحدة من المواقع التي استعادت بعض قدراتها، حيث شهدت أول الطلعات لطائرات سو-22 في أيلول 2025، واستمرت هذه الطلعات التدريبية لاحقاً بما في ذلك تحليقات فوق شمال سوريا وإدلب، في نجاح محدود لإصلاح الطائرات والمدارج ومرافق الصيانة، مما جعل القاعدة مركزاً رئيسياً للحفاظ على قدرة تشغيلية رمزية لسلاح الجو الجديد.
كويرس.. قاعدة خالد بن الوليد
في شرق حلب، أعيد تفعيل قاعدة كويرس الجوية التي باتت تعرف بقاعدة خالد بن الوليد، واستُخدمت ككلية جوية أساسية، حيث جرى في تموز 2026 تخريج أكثر من ألف صف ضابط في حفل تخللته عروض جوية بطائرات تدريب L-39 ومروحيات مي-24، وشملت الأعمال إصلاح الحظائر والمرافق، مما جعل القاعدة محوراً رئيسياً لإعادة بناء الكوادر الجوية.
مطار المزة العسكري.. كابوس السوريين
أعلنت هيئة الطيران المدني السوري منتصف العام الماضي قراراً بتحويل مطار المزة العسكري في دمشق إلى مطار مدني بسعة 30 مليون مسافر سنوياً. وقد شكل المزة كابوساً للسوريين، إذ استخدمه نظام الأسد لقصف المدنيين على مدار 14 عاماً، لا سيما في مناطق ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، ما أدى إلى قتلى وجرحى وموجات نزوح كبيرة.
مطار القامشلي.. من قاعدة روسية إلى إدارة مدنية سورية
خضع مطار القامشلي الدولي لإدارة عسكرية روسية منذ سنوات الحرب، قبل أن تنسحب القوات الروسية منه في كانون الثاني 2026 في إطار اتفاق وقف إطلاق نار بين الحكومة السورية وقوات “قسد”، فيما تولت الهيئة العامة للطيران المدني السوري رسمياً إدارة المطار في 21 شباط 2026، تمهيداً لإعادة تشغيله أمام الرحلات المدنية.
عربي21



