اقتصاد

حذف الأصفار يواجه ارتباك الفواتير ونقص «الفراطة» في الأسواق السورية

مع دخول عملية استبدال العملة السورية مرحلة التطبيق الفعلي وسحب الأوراق النقدية القديمة، بدأت تظهر مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالانتقال من الليرة القديمة إلى الجديدة، خصوصاً في تفاصيل الحياة اليومية، مثل الفواتير وعمليات الدفع وتسديد أجور النقل.
ومن أبرز الملاحظات التي أثارت استياء المواطنين استمرار بعض الجهات في إصدار فواتيرها بالليرة القديمة، ومن بينها الشركة العامة للاتصالات، إضافة إلى شركة «زين للاتصالات» التي كانت تعرف سابقاً باسم MTN. وفي الوقت نفسه، ما تزال ورقة الـ500 ليرة القديمة تظهر في بعض التعاملات داخل وسائل النقل والأسواق، في ظل محدودية الفئات النقدية الصغيرة بالعملة الجديدة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى التنسيق بين الجهات الحكومية والشركات خلال المرحلة الانتقالية، ومدى تأثير اختلاف طريقة التسعير والفوترة على فهم المواطنين للأسعار والقيم الجديدة، ولا سيما بعد إعلان مصرف سورية المركزي انتهاء القوة الإبرائية للعملة القديمة.
حذف الأصفار يحتاج إلى توحيد وحدة الحساب
أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، اعتبر أن عملية استبدال العملة وحذف الأصفار لا تقتصر على إصدار أوراق نقدية جديدة وسحب الأوراق القديمة، وإنما تتطلب انتقالاً منظماً في جميع مفاصل الاقتصاد، بما يشمل التسعير والفوترة والأنظمة المحاسبية لدى القطاعين العام والخاص.
وأوضح محمد في حديثه لـ«الوطن» أن نجاح العملية يحتاج إلى توحيد وحدة الحساب بشكل سريع، بالتزامن مع توفير فئات نقدية صغيرة تلبي احتياجات التعاملات اليومية.
وأشار إلى أن استمرار بعض الجهات في استخدام العملة القديمة خلال المرحلة الانتقالية قد يحول مشكلة إجرائية بسيطة إلى عامل يؤثر في ثقة المواطنين بالعملة الجديدة وبمدى جدية تنفيذ السياسة النقدية.
الفواتير القديمة تربك الأسعار
ويرى الخبير الاقتصادي أن استمرار إصدار الفواتير بالليرة القديمة، ولا سيما من جانب الجهات الخدمية الكبرى، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل شكلي، لأن حذف الأصفار يعني عملياً الانتقال إلى وحدة حساب جديدة يفترض أن تنعكس على العقود والفواتير والتسعيرات والأنظمة المحاسبية.
وأضاف أن بقاء الفوترة بالعملة القديمة يفرض على المواطن إجراء تحويل ذهني في كل معاملة، ما يزيد احتمال وقوع أخطاء في الحساب أو التقريب، ويجعل مقارنة أسعار السلع والخدمات أكثر صعوبة.
كما أن استمرار شركات كبيرة أو جهات رسمية في اعتماد الأسعار القديمة قد يعطي انطباعاً لدى المواطن بأن العملة السابقة ما زالت مقبولة، الأمر الذي قد يبطئ عملية الانتقال إلى النظام النقدي الجديد.
ولمعالجة المشكلة، يقترح محمد إلزام الجهات العامة والخدمية بإصدار فواتيرها بالعملة الجديدة، مع إمكانية إظهار القيمة القديمة بشكل استرشادي لفترة محددة، ريثما تستكمل عملية تحديث الأنظمة المحاسبية والفوترة.
لماذا ما تزال ورقة الـ500 ليرة متداولة؟
أما استمرار ظهور ورقة الـ500 ليرة القديمة في وسائل النقل وبعض الأسواق، فيرى محمد أنه قد يرتبط بأكثر من سبب.
السبب الأول هو احتمال وجود نقص في الفئات الصغيرة من العملة الجديدة، ما يجعل بعض القطاعات التي تعتمد على المدفوعات اليومية الصغيرة تستمر في استخدام الفئات القديمة لتأمين «الفراطة» وإتمام المعاملات.
أما الاحتمال الثاني فيرتبط بضعف تطبيق قرار سحب العملة القديمة في بعض الأماكن، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار حالة من الازدواج في التعامل النقدي، ويفتح المجال أمام أخطاء في احتساب الأسعار أو خلافات بين البائع والمشتري حول القيمة الفعلية للمبلغ المدفوع.
تأمين الفئات الصغيرة ضرورة
ويؤكد محمد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب من مصرف سورية المركزي والجهات المعنية الإسراع في ضخ كميات كافية من الفئات الصغيرة والعملات المعدنية الجديدة، خصوصاً في الأسواق ووسائل النقل التي تعتمد بكثافة على التعاملات النقدية اليومية.
كما يشدد على ضرورة إلزام المحال ووسائل النقل والقطاعات التجارية بتقديم الباقي بالعملة الجديدة، مع تحديد أي استخدام استثنائي للفئات القديمة، إن كان ضرورياً، ضمن مدة قصيرة وواضحة وبقرار رسمي معلن.
ويرى أهمية تكثيف حملات التوعية لتعريف المواطنين بقيم الفئات الجديدة وآلية التحويل بينها وبين القيم القديمة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الأسواق لمنع استغلال المرحلة الانتقالية في فرض أسعار أو عمليات تقريـب غير واضحة.
نجاح حذف الأصفار يبدأ من التفاصيل
ويخلص أستاذ التمويل والمصارف إلى أن نجاح عملية حذف الأصفار لا يقاس فقط بعدد الأوراق النقدية القديمة التي جرى سحبها من التداول، وإنما بمدى توحيد **الحساب والتسعير والفوترة والدفع** في مختلف القطاعات.
وبحسب محمد، فإن استمرار بعض الفواتير بالعملة القديمة أو ظهور الفئات القديمة في التعاملات اليومية لا يمثل بالضرورة أزمة نقدية كبيرة إذا جرى احتواؤه سريعاً، لكنه يكشف عن حاجة إلى تنسيق مؤسسي أكبر وبروتوكول واضح وملزم للمرحلة الانتقالية.
ومن هنا، فإن الخطوة الأهم خلال المرحلة المقبلة تتمثل في توحيد الفوترة بالعملة الجديدة، وتأمين الفئات الصغيرة، وضبط التعاملات اليومية وفق جدول زمني واضح، لأن مصداقية أي عملية نقدية كبيرة لا تحددها القرارات والإعلانات وحدها، بل تظهر في تفاصيل تطبيقها على أرض الواقع.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى