هل يُعد مشروع “أبيات هيلز” استثماراً أجنبياً حقيقياً؟

أثار مشروع “أبيات هيلز” في ريف دمشق نقاشاً اقتصادياً حول طبيعة الاستثمار الذي يمثله، بعدما رُوّج له باعتباره مؤشراً على عودة الاستثمارات الخارجية إلى السوق السورية.
وفي قراءة مختلفة للمشروع، يرى عضو جمعية العلوم الاقتصادية محمد بكر أن وصف “أبيات هيلز” بأنه استثمار أجنبي يحتاج إلى مزيد من التدقيق، معتبراً أن المشروع، وفق آلية تمويله وتنفيذه، لا يعتمد بصورة أساسية على ضخ أموال جديدة من الخارج في الاقتصاد السوري.
أين تكمن مشكلة تصنيف المشروع؟
يستند بكر في تحليله إلى طبيعة التمويل المعتمدة في المشروع، مشيراً إلى أن المؤسسة العامة للإسكان قدمت الأرض والتسهيلات اللازمة، بينما يعتمد تمويل البناء إلى حد كبير على أموال المواطنين المكتتبين، من خلال رسوم الاكتتاب والأقساط المستحقة عليهم.
كما يلفت إلى أن مدة تنفيذ المشروع المحددة بأربع سنوات تقابلها فترة سداد للوحدة السكنية تبلغ عامين، ما يعني أن المكتتب قد ينتهي من دفع قيمة وحدته قبل موعد استلامها بفترة زمنية طويلة.
ويضيف أن تحديد الأسعار وآلية السداد بالدولار يحدان، من وجهة نظره، من مخاطر التضخم بالنسبة إلى المستثمر، في حين يتحمل المكتتب الجزء الأكبر من مخاطر تغير قيمة العملة والقدرة الشرائية.
وبناءً على ذلك، يرى بكر أن الاستثمار الأجنبي بالمعنى الاقتصادي المباشر يفترض دخول أموال من خارج البلاد وضخها في السوق المحلية، بينما يعتمد المشروع، وفق تحليله، بدرجة كبيرة على تعبئة مدخرات موجودة داخل الاقتصاد السوري.
هل يجذب المشروع أموالاً جديدة إلى السوق؟
يعتقد بكر أن تمويل المشروع من أموال المكتتبين، إلى جانب إمكانية الاستفادة من التمويل المصرفي، يعني أن المشروع قد يؤدي إلى نقل السيولة الموجودة أصلاً داخل السوق إلى القطاع العقاري، بدلاً من إدخال موارد مالية جديدة من الخارج.
ويحذر من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تجميد جزء من السيولة في مشاريع عقارية، في وقت تواجه فيه السوق السورية ضعفاً في القدرة الشرائية ووجود عدد كبير من الوحدات والمشاريع العقارية غير المكتملة أو غير المشغولة.
ويرى أن المستثمر الخارجي، في هذه الحالة، قد لا يحتاج إلى ضخ رأس مال كبير من خارج البلاد، في حين يمكن أن تذهب الأرباح المحققة لاحقاً إلى خارج سورية، وهو ما يطرح، بحسب رأيه، سؤالاً حول الأثر الصافي للمشروع على الاقتصاد المحلي.
مشاريع عقارية متوقفة
ويشير الخبير الاقتصادي إلى وجود عدد من المشاريع العقارية التي تعثرت أو توقفت في دمشق وريفها، مستشهداً بمشاريع مثل «باسيلا» و«ماروتا» وفيلات الشيخ زايد وضاحية الفيحاء ومساكن الديماس، إضافة إلى مشاريع أخرى في جرمانا وطريق المطار.
ويعتبر أن تجميد الأموال في مشاريع غير مكتملة يمثل مشكلة اقتصادية، خصوصاً في ظل حاجة السوق إلى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات قادرة على زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحريك دورة رأس المال.
ويرى بكر أن الأولوية الاستثمارية في سورية يجب أن تتجه بصورة أكبر إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتنشيط القطاعات الصناعية والزراعية، بدلاً من التركيز على المشاريع العقارية ذات الطابع الخدمي.
كما يحذر من أن التوسع في الاستثمار العقاري في المرحلة الحالية قد يؤدي إلى سحب السيولة من القطاعات الإنتاجية وتحويلها إلى أصول عقارية تستخدم للمضاربة والادخار، بدلاً من توظيفها في أنشطة تزيد الإنتاج والدخل.
ماذا يقول الإقبال على “أبيات هيلز”؟
كانت المؤسسة العامة للإسكان قد أعلنت اختتام الاكتتاب في مشروع “أبيات هيلز” بعد يومين من استقبال المواطنين في مراكز الاكتتاب.
وبحسب المؤسسة، بلغ عدد المكتتبين في اليوم الأول نحو 1300 شخص، بينما وصل إجمالي الوحدات السكنية المكتتب عليها مع نهاية العملية إلى نحو 2000 وحدة.
وأكدت المؤسسة أن كوادرها تولت تدقيق الوثائق والطلبات وتقديم الإرشادات والإجابة عن استفسارات المواطنين، مشيرة إلى أن العملية جرت وفق إجراءات منظمة.
ويرى بكر أن حجم الإقبال لا يكفي وحده لإثبات أن جميع المكتتبين بحاجة فعلية إلى مساكن، معتبراً أن جزءاً من الطلب قد يكون مرتبطاً بالتحوط من التضخم أو الرغبة في تحويل المدخرات إلى أصل عقاري يمكن أن ترتفع قيمته مستقبلاً.
وفي المقابل، فإن الحكم النهائي على طبيعة المشروع وأثره الاقتصادي يتطلب النظر إلى مصادر التمويل الفعلية، ونسبة رأس المال الأجنبي المباشر فيه، وحجم الأموال التي ستدخل من خارج سوريا، إضافة إلى مساهمته في الإنتاج وفرص العمل وتدفق العملات الأجنبية.
وبالتالي، فإن وصف “أبيات هيلز” بأنه استثمار أجنبي حقيقي لا يرتبط بجنسية الجهة المستثمرة فقط، وإنما بمدى دخول رأس مال أجنبي فعلي إلى الاقتصاد السوري، وطريقة تمويل المشروع، والأثر الذي يتركه على حركة الإنتاج والسيولة والاستثمار.
أخبار الصناعة السورية



