دخل إلى السفارة السورية في لبنان ولم يخرج منها.. ضجة بعد اعتقال قائد الفرقة 17 عادل عيسى

لم يكن نشر خبر اختفاء لواء سوري داخل السفارة السورية في بيروت صباح السبت نهاية القصة، بل كان اللحظة التي قلبت مسارها.
فبعد ساعات على كشف صحيفة “الأخبار” دخول اللواء المتقاعد عادل عيسى إلى السفارة وانقطاع أثره، خرج الرجل من المبنى، لا حراً إلى منزله، بل بموجب عملية تسليم رسمية إلى المباحث الجنائية المركزية، بعدما تحولت القضية إلى فضيحة إعلامية وأصبح استمرار احتجازه داخل السفارة أمراً يصعب إبقاؤه بعيداً من الأنظار.
بدأت القصة عندما وصل عيسى إلى السفارة عند الساعة 12:30 ظهراً برفقة سائق سوري، بهدف تنظيم وكالة قانونية لأحد أفراد عائلته في سورية.
وبعد نحو ساعة، حضر شبان بسيارة إلى مكان وجود السائق وطلبوا منه هاتف اللواء، بحجة الحاجة إليه لتسجيل جواز سفره على المنصة، قبل أن ينقطع الاتصال بعيسى بصورة كاملة.
وبقي السائق أمام السفارة حتى الساعة 4:30، وعندما حاول الاستفسار عنه، أُبلغ أولاً بأن السفارة أغلقت أبوابها، ثم خرج موظف وسأله عن هويته وعلاقته بعيسى، قبل أن يخبره بأن اللواء غادر المبنى قبل نحو 20 دقيقة.
لكن السائق، الذي كان ينتظره في الخارج، لم يشاهده يغادر.
والمخطوف هو اللواء عادل عيسى، القائد السابق للفرقة 17 في جيش النظام السوري السابق، والقائد السابق للقوات البرية في دير الزور.
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، خدم عيسى أيضاً ضمن الفيلق الأول، وأُحيل إلى التقاعد عام 2016، ودخل لبنان بطريقة شرعية قبل نحو 4 أشهر، وكان يحمل “الكارت الأخضر” الذي يثبت قانونية دخوله وإقامته، خلافاً للمعلومات التي تحدثت عن دخوله خلسة.
والأهم، وفق معلومات “ليبانون ديبايت”، أن عيسى لم يغادر السفارة كما قيل لسائقه، بل جرى التعرف إليه داخل المبنى من قبل الجهاز الأمني العامل في السفارة واحتجازه هناك، فيما لم يكن الأمن العام اللبناني قد أوقفه، ولم تكن قوة أمنية لبنانية قد دخلت السفارة لتنفيذ مذكرة بحقه.
أي أن الرجل دخل بعثة دبلوماسية لإنجاز معاملة، ومن داخلها انقطع أثره.
لكن عائلة عيسى لم تسكت.
فبعد إغلاق هاتفه وعدم عودته، بدأت اتصالات واسعة بحثاً عنه، وساهمت العلاقة التي تربط أحد أبنائه بأحد الإعلاميين في وصول القضية إلى الإعلام.
وما إن انتشر خبر اختفاء اللواء داخل السفارة حتى أصبح السؤال علنياً: أين الرجل الذي دخل ولم يخرج؟
وبحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، هنا تحديداً تبدل المسار.
فقد تحرك القائم بأعمال السفارة السورية في لبنان إياد الهزاع، وجرى اتصال بالنائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، لتبدأ عملية إخراج القضية من داخل السفارة وتحويلها إلى ملف قضائي لبناني. وبعد الاتصال، تحركت دورية من قسم المباحث الجنائية المركزية باتجاه السفارة لتسلّم عيسى، فيما تؤكد المصادر القضائية المنشورة أن المباحث الجنائية تحركت بإشارة من القاضي الحاج، وأن عيسى نُقل بعد ذلك إلى نظارة قصر العدل.
وهكذا، خلال ساعات، انتقل عادل عيسى من شخص قيل لسائقه إنه “غادر السفارة”، إلى موقوف تسلّمته السلطات اللبنانية من السفارة نفسها.
لكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد. فالنيابة العامة التمييزية كانت لا تزال تنتظر الملف السوري الذي يتضمن الوقائع والاتهامات والأدلة اللازمة لتحديد المسار القضائي اللاحق وإمكان تسليم عيسى إلى دمشق، وفق ما أكدته المصادر القضائية التي تحدثت عن وصول الملف السوري مطلع الأسبوع المقبل.
وبذلك، يكون الرجل قد أصبح في عهدة القضاء اللبناني، بينما لا يزال الملف الذي تريد سورية ملاحقته على أساسه قيد الانتظار.
وحتى الاتهامات التي بدأت تتداول لاحقاً عن جرائم قتل وتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، تبقى في هذه المرحلة اتهامات منسوبة إلى عيسى تحتاج إلى مستنداتها وأدلتها، ولا تغير شيئاً في السؤال عن الطريقة التي جرى بها احتجازه داخل السفارة قبل انتقاله إلى السلطات اللبنانية.
أما ثبوت دخول عيسى إلى لبنان بطريقة شرعية وحيازته “الكارت الأخضر”، فيسقط الرواية التي حاولت تفسير ما جرى باعتباره مرتبطاً بمخالفة قوانين الدخول والإقامة، ويضاعف الأسئلة بشأن الأساس الذي استند إليه الجهاز الأمني العامل داخل السفارة لاحتجازه ومنعه من المغادرة.
وهنا تبرز المسألة الأخطر في القضية. فاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تحدد وظائف البعثة الدبلوماسية بالتمثيل، وحماية مصالح الدولة ورعاياها ضمن حدود القانون الدولي، والتفاوض، وجمع المعلومات بالوسائل المشروعة، وتعزيز العلاقات.
كما تفرض على أعضاء البعثة احترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها، وتنص صراحة على عدم استخدام مقر البعثة بطريقة تتعارض مع وظائفها.
وفي المقابل، تمنح مقر السفارة حرمة تمنع السلطات اللبنانية من دخوله من دون موافقة رئيس البعثة.
لكن هذه الحرمة لا تعطي السفارة حق إنشاء سجن صغير خلف أبوابها، ولا تمنح أمنها صلاحية احتجاز أشخاص يدخلون إليها لإنجاز معاملات.
فالسفارة ليست أرضاً سورية منفصلة عن لبنان، والحصانة الدبلوماسية وُجدت لحماية الوظيفة الدبلوماسية، لا لتوفير مظلة لنشاط أمني خارج رقابة الدولة اللبنانية.
وما يضاعف خطورة القضية أنها تأتي بعد أيام فقط من ملف حسين عبد القادر الأحمد، المعروف بـ”حيحو”، الذي كان موجوداً في لبنان قبل أن ينتهي في قبضة السلطات السورية، وسط روايات تحدثت عن تنسيق مع السلطات اللبنانية، مقابل بقاء تفاصيل انتقاله الفعلي إلى الجانب السوري موضع تساؤلات.
وخلال أيام، إذاً، حضرت السفارة السورية في ملفين أمنيين يتعلقان بسوريين موجودين على الأراضي اللبنانية، فيما تكشف معلومات “ليبانون ديبايت” أن الجهاز الأمني العامل داخل السفارة لا يكتفي بحماية المقر، بل يدقق في الأسماء والخلفيات ويتابع ملفات أشخاص مطلوبين أو موضع اهتمام للسلطات السورية الجديدة.
وهذا يفتح باباً بالغ الخطورة حول حجم النشاط الأمني السوري الذي يجري من داخل البعثة، وحدود معرفة السلطات اللبنانية به أو موافقتها عليه.
وبذلك، يمكن القول إن الفضيحة الإعلامية هي التي أنقذت عيسى من البقاء مجهول المصير داخل السفارة، لكنها في الوقت نفسه كشفت ملفاً أكثر خطورة من مصير لواء متقاعد : ماذا يفعل الجهاز الأمني السوري داخل سفارة دمشق في بيروت، ومن سمح له بممارسة دور يتجاوز حماية بعثته إلى رصد الأشخاص واحتجازهم؟
السفارات ليست مراكز أمنية، والحصانة ليست ترخيصاً للخطف، والسيادة اللبنانية لا تتوقف عند باب السفارة السورية.
وبعد “حيحو” وعادل عيسى، لم يعد السؤال عما حصل داخل المبنى فقط، بل عما إذا كان لبنان أمام عودة نشاط أمني سوري من بوابة دبلوماسية، بوجوه جديدة وأساليب تذكّر بمرحلة كان اللبنانيون يعتقدون أنها انتهت.
ليبانون ديبايت



