ليس ضعف إرادة.. دراسة تفسر لغز استعادة الوزن بعد الحمية

يلتزم ملايين الأشخاص بالحميات الغذائية وبرامج التمارين الرياضية، ويتمكن كثير منهم بالفعل من خسارة الوزن، لكن المفاجأة تظهر بعد أشهر عندما تبدأ الكيلوغرامات المفقودة بالعودة تدريجياً.
ولسنوات طويلة، ارتبطت استعادة الوزن بضعف الإرادة أو قلة الانضباط، إلا أن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيداً، إذ يتعامل الدماغ مع فقدان الوزن على أنه تهديد محتمل لمخزون الطاقة، فيدفع الجسم إلى استعادة وزنه السابق.
وبحسب دراسة أجراها باحثون في كلية العلوم الصحية والطبية بجامعة كوبنهاغن، يحتفظ الجسم بما يشبه «الذاكرة البيولوجية» لأعلى وزن وصل إليه، ثم يبدأ بالدفاع عنه باعتباره الوضع الطبيعي، حتى عندما يكون أعلى من المستوى الصحي.
وتساعد هذه الآلية على تفسير سبب فشل كثير من الحميات الغذائية في الحفاظ على نتائجها على المدى الطويل، كما توضح طريقة عمل أدوية السمنة الحديثة التي تقلل الشهية، ولماذا قد يعود الوزن بعد التوقف عنها.
ويربط العلماء هذه الاستجابة بتاريخ تطور الإنسان، إذ كان تخزين الدهون في العصور القديمة وسيلة ضرورية للبقاء خلال فترات المجاعة ونقص الغذاء. ولذلك طور الدماغ آليات للحفاظ على الطاقة ومنع الجسم من فقدانها بسرعة.
لكن هذه الآليات القديمة أصبحت تعمل اليوم ضد الإنسان في بيئة تتوافر فيها الأطعمة مرتفعة السعرات الحرارية، بالتزامن مع انخفاض مستويات النشاط البدني.
وعندما يبدأ الشخص بخسارة الوزن، قد لا يفسر الجسم ذلك على أنه تحسن صحي، وإنما يتعامل معه بوصفه دليلاً على نقص الغذاء.
ونتيجة لذلك، تزداد إشارات الجوع والرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسعرات، بينما ينخفض معدل استهلاك الطاقة.
ولا يقتصر الأمر على مقاومة خسارة الوزن، إذ يشير الباحثون إلى أن الدماغ قد يعيد ضبط الوزن الأعلى على أنه «المعدل الطبيعي الجديد»، ثم يستخدم مجموعة من الاستجابات الهرمونية والعصبية للدفاع عنه.
ولهذا، فإن استعادة الوزن بعد انتهاء الحمية لا تعني بالضرورة أن الشخص فقد إرادته، بل قد تكون نتيجة استجابة بيولوجية عميقة تطورت على مدى آلاف السنين.
وخلال السنوات الأخيرة، منحت أدوية علاج السمنة الحديثة أملاً جديداً لكثير من المرضى، إذ تحاكي هرمونات طبيعية تفرزها الأمعاء، وترسل إشارات إلى الدماغ تزيد الشعور بالشبع وتقلل الرغبة في تناول الطعام.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الأدوية ليست حلاً نهائياً لجميع الحالات، فبعض الأشخاص لا يستجيبون لها بالقدر نفسه، بينما قد تمنع الآثار الجانبية آخرين من الاستمرار في استخدامها.
كما يمكن أن يعود الوزن لدى عدد من المرضى بعد وقف العلاج، عندما تستعيد آليات الجوع والدفاع عن مخزون الطاقة نشاطها السابق.
ويرى العلماء أن التقدم في أبحاث الأعصاب والتمثيل الغذائي قد يفتح الباب أمام علاجات جديدة تستهدف الإشارات الدماغية المسؤولة عن استعادة الوزن، بما يساعد على تحقيق نتائج أكثر استدامة.
وتؤكد الدراسة أن السمنة لا يمكن اختزالها في ضعف الإرادة أو الإفراط في تناول الطعام، وإنما هي حالة معقدة تتداخل فيها الجينات والهرمونات والدماغ ونمط الحياة والبيئة المحيطة.
ومع تطور الأبحاث، تتزايد الآمال في ابتكار علاجات أكثر فاعلية، إلى جانب استراتيجيات وقائية تساعد على الحد من السمنة وتقليل احتمالات عودة الوزن بعد فقدانه.
العربية



