نجوم و مشاهير

جورج وسوف يتمرد على الجسد ويوقظ الحنين في “جرش”

في مشهد استثنائي جمع بين عراقة التاريخ ووهج الحاضر، احتضن المدرج الجنوبي لمدينة جرش الأثرية حفلاً لم يكن مجرد أمسية غنائية، بل كان احتفالية بالذاكرة وبالزمن نفسه. جاء جمهور ناهز عدده 3500 شخص من مختلف أنحاء الأردن وخارجه، ليشهدوا لحظة فارقة في حياة “سلطان الطرب” جورج وسوف، الذي تحدى إعاقته المرضية وجلس على كرسيه متشحاً بالسواد، ليقدم درساً في العشق الفني والوفاء الجماهيري.

احتفالية بالتاريخ والماضي.. المهرجان يطفئ شمعته الـ40 في مدينة الألف عمود
جرش، تلك المدينة التي يعود تأسيسها إلى عهد القائد الروماني الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد، كانت مسرحاً لحدث فني مميز تزامن مع احتفال مهرجان جرش بدورته الأربعين. ورغم أن المدرج الجنوبي ضاق بالآلاف، إلا أن عدداً كبيراً من الجمهور فضّل البقاء خارج المدرج، مستمعاً إلى صوت الرجل الأثقل بالمرض والأغاني، في مشهد عبّد الطريق أمام سؤال وجودي عن سر هذا الحضور الجماهيري الاستثنائي.

“سلطان الطرب” مايسترو والجمهور فرقة موسيقية ومنشدة
لم يكن الجمهور مجرد مستمعين سلبيين، بل تحولوا إلى جزء من الأداء ذاته. غنى جورج وسوف أقل مما غنى الجمهور، الذي تحول إلى فرقة موسيقية ومنشدة، مردداً أجمل أغنيات “أبو وديع” بحماسة قل نظيرها. فالجمهور من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، قطعوا مسافات طويلة من العاصمة عمان (50 كم) ومن محافظات أبعد، ومن خارج الأردن، ليشاركوا في لحظة يرى كثيرون أنها كانت صيانة للذاكرة وتجديداً للعهد مع فنان أسطوري.

الجمهور يبحث عن نفسه.. حين يصبح الغناء استعادة للزمن الشخصي
وفقاً لفيلسوف الوجودية مارتن هايدغر، الإنسان كائن زمني لا وجود له خارج الزمن، وفي حفلة جرش، كان جمهور “أبو وديع” يعيد اكتشاف ماضيه الذاتي عبر الأغاني. فمع افتتاحية الأمسية بأغنية “يا بياعين الهوى”، وصولاً إلى “بتعاتبني على كلمة” و”طبيب جراح” وأغنية عبدالحليم حافظ “أي دمعة حزن لا”، كانت الحناجر تردد الكلمات وكأنها تستعيد حكايات الحب والغرام التي أرّقت ليالي العاشقين. وفي تلك اللحظة، تلاشت خدوش الصوت اللاهث والنشاز، وتضاءل الجسد المتثاقل أمام فيض الذاكرة الجياش.

وسوف: أهم لحظة في حياتي الفنية.. ووعد بالفرح
قبل الحفل، وعد جورج وسوف جمهوره الأردني بالفرح، واصفاً هذه الأمسية بأنها “أهم لحظة في حياتي الفنية”. وعندما طلب الجمهور أغنية “كلام الناس”، وبدا أن وسوف غير قادر على أدائها، طلب من الفرقة الموسيقية أن تلحنها، فيما تكفلت آلاف الحناجر بترديدها في جوقة اهتزت لها الأعمدة الحجرية الشاهدة على إبداع إنساني لا ينقطع. لم يكن الحفل طويلاً، لكنه أدخل الفرح إلى القلوب، وأثبت أن العلاقة بين الفنان وجمهوره تتجاوز حدود الأداء الصوتي إلى مستويات أعمق من التواصل الروحي والعاطفي.

الهالة والأثر.. حين يصبح الجسد النص والمرض جزءاً من الأداء
يرى الفيلسوف الفرنسي رولان بارت، رائد السيميولوجيا البنيوية، أن حضور الشخصية يتضمن معاني متداخلة. وفي حالة جورج وسوف، لم يكن الجسد المتعب مجرد عائق، بل تحول إلى نص ورسالة، وأصبح المرض جزءاً من الأداء. فالهالة التي تحيط بالمطرب السوري هي جزء من تاريخه الشخصي والتوائهات وخروجه عن النص الاجتماعي، وهذا الأثر النادر خلق مناخاً مشحوناً بالشجن لم تألفه المهرجانات من قبل. لقد كان الجمهور يحتفل بالأسطورة التي تتحدى الزمن، لا بالصوت فقط.

شباب اليوم يعشقون “سلطان الطرب”.. الأثر يهزم الزمن
لم يقتصر الحضور على من عاصروا انطلاقات جورج وسوف في الثمانينيات والتسعينيات، بل شهد المدرج حضوراً لافتاً للشباب والفتيات في ريعان الشباب، الذين كانوا يرددون الأغاني ويتمايلون مع الجوقة الجماهيرية، متفاعلين مع كل حركة ليد المطرب اليمنى. هذا المشهد يؤكد أن الأغنية الأصيلة، عندما تحمل إرثاً فنياً وروحاً إنسانية، تستطيع أن تتجاوز حدود الزمن والأجيال، وأن الأثر والهالة قادران على هزيمة الزمن نفسه.

جرش تشهد انتصار الإرادة على الإعاقة والذاكرة على النسيان
في مدينة جرش الأثرية، حيث التاريخ يحكي قصص الحضارات، كتب جورج وسوف فصلًا جديدًا من أسطورته الفنية، مؤكداً أن الفن الحقيقي لا يُنتج ليُستهلك، بل ليصبح مستودعاً للذاكرة العابرة للزمن. بين شيخوخة الجسد ووهج الحنجرة، بين المرض والإرادة، انتصرت العلاقة التي تربط سلطان الطرب بجمهوره، وانتصرت الرسالة التي تقول إن الأغنية قادرة على صنع المعجزات، وإن الهالة الفنية التي يبنيها الإخلاص والموهبة تبقى خالدة، مهما تعاقبت السنون وتغيرت الأحوال.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى