اقتصاد

حوافز البنك الدولي.. كيف تدعم إدارة الدين العام في سورية؟

قبل أشهر قليلة، كانت مسألة إدارة الدين العام في سورية تُطرح بوصفها أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني. أما اليوم، فقد أعاد إعلان وزير المالية محمد يسر برنية عن نجاح سورية في اجتياز مراجعة البنك الدولي تسليط الضوء على هذا الملف، باعتباره خطوة تتجاوز الجانب الفني إلى رسالة تعكس تحسناً في إدارة المالية العامة وتعزز الثقة بالسياسات الاقتصادية للدولة.
اجتياز المراجعة… أكثر من مجرد تقييم
لا ينظر الخبراء إلى اجتياز مراجعة البنك الدولي على أنه إجراء إداري فحسب، بل يعتبرونه مؤشراً على تحسن مستوى الشفافية والانضباط المالي. فالحصول على هذا التقييم يمنح سورية فرصة لتعزيز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين، إلى جانب فتح المجال أمام الاستفادة من برامج تمويلية وتنموية بشروط أفضل.
أين يقف الدين العام السوري؟
أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة الدكتور عبد الرحمن محمد أوضح أن سوريا لا تملك منذ سنوات بيانات رسمية حديثة ومنشورة وفق المعايير الدولية حول حجم الدين العام، سواء الداخلي أو الخارجي.
ويشير إلى أن التقديرات غير الرسمية السابقة كانت ترجح تجاوز الدين العام نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تراجع قيمة العملة المحلية وتضرر القاعدة الإنتاجية خلال السنوات الماضية.
ويرى أن اجتياز مراجعة البنك الدولي يحمل دلالة مهمة، إذ يعكس بدء توفر بيانات مالية أكثر دقة وشفافية، بما يسمح بقياس الدين العام بصورة أوضح ويعكس تقدماً في العمل الإحصائي والفني داخل وزارة المالية.
ماذا تعني استدامة الدين؟
بحسب الدكتور محمد، فإن استدامة الدين العام تعني قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية مستقبلاً، سواء من خلال سداد الفوائد أو الأقساط، دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية مثل إعادة هيكلة الديون أو خفض الإنفاق الأساسي أو تمويل العجز بطباعة النقود، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.
وبمعنى آخر، فإن الدين يبقى ضمن مستويات يمكن للاقتصاد تحملها، دون أن يتحول إلى عائق أمام النمو الاقتصادي. كما أن اجتياز المراجعة يشير إلى أن البنك الدولي يرى وجود خطة مالية متوسطة الأجل تساعد الحكومة على إدارة التزاماتها بشكل مستدام.
كيف تُدار الديون الحكومية؟
ويشرح الدكتور محمد أن إدارة الدين العام تعتمد على مجموعة من السياسات الهادفة إلى تأمين احتياجات الدولة التمويلية بأقل تكلفة ممكنة، مع الحد من المخاطر على المدى الطويل.
وتشمل هذه السياسات إعداد قاعدة بيانات متكاملة للقروض والضمانات الحكومية، ووضع خطة سنوية للاقتراض، وتنويع مصادر التمويل بين المحلية والخارجية، إضافة إلى العمل على تمديد آجال استحقاق الديون وتقليل كلفة الفوائد.
ما طبيعة الحوافز التي يقدمها البنك الدولي؟
ضمن سياسة تمويل التنمية المستدامة التابعة للمؤسسة الدولية للتنمية، لا يرتبط حجم التمويل فقط باحتياجات الدول، وإنما أيضاً بمدى التزامها بتنفيذ الإصلاحات المالية والمؤسسية.
وفي حالة سورية، فإن الحافز يتمثل في زيادة حصتها من المنح المخصصة للعام المالي 2027، كمكافأة على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، ما يعني الحصول على موارد تنموية إضافية إلى جانب التمويل الأساسي الذي توفره المؤسسة للدول منخفضة الدخل.
انعكاسات اقتصادية تتجاوز قيمة المنحة
ويؤكد الدكتور محمد أن أهمية هذا الحافز لا تكمن في قيمته المالية فقط، بل في آثاره الاقتصادية والتنموية الأوسع.
فالمنح الإضافية ستوجه إلى مشاريع حيوية في قطاعات مثل المياه والصحة والتعليم والزراعة، بما يسهم في إعادة تأهيل البنية التحتية وتنمية رأس المال البشري، وهو ما يدعم التعافي الاقتصادي على المدى الطويل.
كما أن موافقة البنك الدولي تمثل رسالة ثقة للمؤسسات الدولية والجهات المانحة والمستثمرين، وقد تشجع على تدفقات استثمارية وتمويلية أكبر خلال المرحلة المقبلة، فضلاً عن أنها تعزز الالتزام بمواصلة الإصلاحات وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية في إدارة المالية العامة.
بداية مرحلة جديدة
ويخلص الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن أهمية هذا التطور تتجاوز المكاسب المالية المباشرة، لأنه يعكس انتقالاً نحو إدارة مالية أكثر انضباطاً وشفافية. إلا أن التحدي الحقيقي، بحسب رأيه، يبدأ بعد ذلك، ويتمثل في تحويل الاستقرار المالي إلى نمو اقتصادي مستدام ينعكس على حياة المواطنين.
فنجاح الحكومة في استيفاء متطلبات البنك الدولي يمثل نقطة انطلاق وليس نهاية الطريق، إذ تبقى الأولوية في المرحلة المقبلة لترجمة المؤشرات الإيجابية إلى مشاريع إنتاجية وفرص عمل وتحسن ملموس في مستوى المعيشة، بما يجعل نتائج الإصلاحات محسوسة على أرض الواقع، لا مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى