الاخبار

“البلوك البحري 3”.. هل تدخل سوريا نادي غاز شرق المتوسط؟

في مشهد يعكس تحولاً تدريجياً في السياسات الاقتصادية السورية، برز قطاع النفط والغاز كأحد المحاور الرئيسية التي تسعى دمشق من خلالها إلى إعادة بناء علاقاتها مع الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات الأجنبية. ومع تزايد الاهتمام العالمي بموارد شرق المتوسط من الغاز الطبيعي، دخلت سوريا بقوة على خط المنافسة الإقليمية عبر طرح “البلوك البحري رقم 3” للاستكشاف، في خطوة اعتبرتها الأوساط الاقتصادية نقلة نوعية قد تعيد تعريف دور سوريا في خريطة الطاقة الإقليمية، خاصة مع انضمام شركات عالمية عملاقة إلى طليعة المهتمين بهذا المشروع الطموح.

مذكرة تفاهم ثلاثية: شركات عالمية تتنافس على استكشاف المياه السورية
شهدت العاصمة دمشق توقيع مذكرة تفاهم تاريخية بين الشركة السورية للبترول وثلاثة من عمالقة الطاقة العالميين، هم “قطر للطاقة” و”توتال إنرجيز” الفرنسية و”كونوكو فيليبس” الأمريكية، بهدف إجراء مراجعة فنية شاملة للبلوك البحري رقم 3. وتأتي هذه الخطوة تمهيداً لمرحلة الاستكشاف الفعلي للنفط والغاز في المياه الإقليمية السورية الواقعة قبالة سواحل اللاذقية، حيث تجمع هذه المذكرة بين الخبرة القطرية في مجال الغاز المسال، والتقنية الفرنسية المتطورة، والخبرة الأمريكية العريقة في التنقيب البحري، مما يعكس ثقة دولية متزايدة بإمكانات المنطقة.

اجتماع دمشق: وفد فرنسي رفيع يبحث آفاق التعاون النفطي
تواصلت التحركات الدبلوماسية والاقتصادية مع زيارة الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، لنظيره في شركة “توتال إنرجيز”، باتريك بويانيه، في العاصمة دمشق، وذلك على هامش زيارة وفد استثماري فرنسي رافق الرئيس إيمانويل ماكرون إلى سوريا. وناقش الجانبان خلال هذا اللقاء رفيع المستوى سبل تعزيز التعاون المشترك في قطاع النفط والغاز، واستعراض الفرص الاستثمارية المستقبلية في مجالي الاستكشاف والتطوير، في خطوة تعكس رغبة فرنسية حقيقية في استعادة موقعها في قطاع الطاقة السوري بعد غياب دام أكثر من عقد من الزمان.

البلوك 3: موقع استراتيجي في قلب حوض الشام البحري
يمتد البلوك البحري رقم 3 ضمن حوض الشام البحري، وهو أحد أهم الأحواض الرسوبية في شرق المتوسط، ويقع تحديداً قبالة سواحل مدينة اللاذقية في أقصى الشمال الغربي للمياه الإقليمية السورية. وتتراوح أعماق المياه في هذا البلوك بين 100 و1700 متر، مما يجعله ضمن فئة المياه العميقة التي تتطلب تقنيات حفر متطورة واستثمارات ضخمة. وتشير الدراسات الجيولوجية الأولية إلى أن هذا البلوك يحتوي على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، مما يجعله واحداً من أكثر المناطق البحرية الواعدة غير المستكشفة في شرق المتوسط، خاصة أن الجزء السوري من الحوض يُعد الأقل استكشافاً مقارنة بالدول المجاورة، نتيجة للحرب والعقوبات التي أعاقت عمليات التنقيب لسنوات طويلة.

كميات هائلة من الغاز: تقديرات أولية تبعث على التفاؤل
كشف خبير الطاقة والمال، محمود عبد الكريم، في تصريحات خاصة، أن حوض الشام البحري بأكمله يحتوي على نحو 3.4 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج، مما يجعله أحد أهم الأحواض الغازية في المنطقة. وأوضح عبد الكريم أن الاكتشافات البحرية تكون عادة أكبر حجماً بعشرات المرات من الاكتشافات البرية، مشيراً إلى أن أكبر حقل غاز بري في سوريا لا يتجاوز احتياطيه بضع عشرات المليارات من الأمتار المكعبة، في حين أن الاكتشافات البحرية الإقليمية المجاورة تجاوزت مئات المليارات. كما أن الغاز البحري في المتوسط يتميز بجودة أعلى، حيث يغلب عليه الغاز الطبيعي غير المصاحب للنفط، وهو الأسهل معالجة والأقل كلفة تشغيلية والأسرع وصولاً إلى الأسواق.

أربعة دوافع وراء اهتمام الشركات العالمية بالبلوك السوري
يرى الخبير عبد الكريم أن دخول ثلاث شركات بهذا الوزن والسمعة في مذكرة تفاهم على بلوك واحد لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل يحكمه أربعة دوافع متكاملة، وهي:

الدافع الجيولوجي: نجاح الاكتشافات الضخمة في المياه المصرية والقبرصية المجاورة يرفع منطقياً احتمال امتداد التكوينات الجيولوجية الحاملة للغاز نفسها إلى المياه السورية، مما يجعل منطقة البلوك رقم 3 امتداداً طبيعياً لحزام الغاز في شرق المتوسط.

الدافع التجاري: أوروبا، التي كانت تستورد نحو 40% من غازها من روسيا قبل عام 2022، خفضت هذه النسبة إلى أقل من 15% بعد الحرب الأوكرانية، وهي تبحث بإلحاح عن مصادر بديلة مستقرة وقريبة. ويقع أي غاز سوري مستقبلي على أقرب نقطة بحرية إلى السوق الأوروبية في شرق المتوسط، مما يمنحه ميزة تنافسية كبيرة من حيث تكاليف النقل.

الدافع الاستراتيجي (التموضع المبكر): تكلفة الدخول في مرحلة المراجعة الفنية لا تتجاوز عادة بضعة ملايين من الدولارات، وهي مبالغ رمزية بمقاييس هذه الشركات العملاقة، لكنها تمنحها أفضلية تفاوضية كبيرة على حقوق الامتياز في حال تحقق اكتشاف تجاري، وتضمن لها مكاناً في طليعة المستثمرين.

عامل خاص بـ”توتال إنرجيز”: الشركة الفرنسية ليست وافدة جديدة على سوريا، بل عملت فيها بين عامي 1988 و2011، وكانت تنتج نحو 53 ألف برميل مكافئ نفطي يومياً، معظمها من الغاز، قبل أن تغادر امتثالاً للعقوبات الأوروبية. وهذا يعني أنها تعود إلى سوق تعرف تفاصيله الجيولوجية والتشغيلية والإدارية بدقة، مما يقلل من مخاطر دخولها ويختصر كثيراً من منحنى التعلم.

خطوات منهجية: ماذا تعني مذكرة التفاهم فعلياً؟
من المهم توضيح أن توقيع مذكرة التفاهم لا يعني بدء عمليات الحفر الفورية، بل هو مجرد بداية لسلسلة طويلة من الدراسات الفنية والجيولوجية التي تهدف إلى تقييم إمكانات البلوك بدقة قبل اتخاذ أي قرار استثماري جاد. وتشمل هذه المرحلة:

إعادة تحليل المسوحات السيزمية: وهي الأداة الأساسية لرسم صورة ثلاثية الأبعاد دقيقة للتكوينات الصخرية تحت قاع البحر، وتحديد المواقع المحتملة لتجمعات النفط والغاز، مما يسهم في تقليل أخطار حفر الآبار غير المنتجة.

دراسة بيانات الآبار السابقة: ومقارنة التكوينات الجيولوجية السورية بالحقول المكتشفة في الدول المجاورة مثل مصر وقبرص وإسرائيل، للاستفادة من الخبرات الإقليمية في تفسير البيانات.

بناء النموذج الجيولوجي: وهو تصور علمي متكامل لاحتمالات وجود مكامن الغاز وحجمها التقريبي ومستوى أخطار الحفر، ومن ثم تقييم نسبة النجاح الجيولوجي، وهي نسبة مئوية تقيس فرصة أن تجد البئر الاستكشافية غازاً فعلاً. وفي أحواض مثبتة مثل شرق المتوسط، تتراوح هذه النسبة بين 20 و40%، وهو مستوى جيد نسبياً في صناعة النفط والغاز.

اتفاقيات تقاسم الإنتاج: نموذج يضمن مصالح الطرفين
في حال أثبتت الدراسات الفنية جدوى الاستكشاف، ينتقل الطرفان إلى مرحلة توقيع اتفاقيات الاستكشاف وتقاسم الإنتاج، وهي الصيغة المعتمدة عالمياً في مشاريع النفط والغاز البحرية. وتتحمل الشركات الأجنبية بموجب هذه الاتفاقيات تكاليف ومخاطر الاستكشاف بالكامل مقابل حصة من الإنتاج في حال تحقيق اكتشاف تجاري، بينما لا تدفع الدولة السورية أي مبالغ في مرحلة البحث والاستكشاف. وإذا فشل الاستكشاف، تخسر الشركات وحدها استثماراتها، وإذا نجح، يربح الطرفان معاً، وهو نموذج يحمي المالية العامة من المخاطر ويشجع الشركات على بذل أقصى جهودها لضمان النجاح.

استثمارات ضخمة تنتظر البلوك رقم 3
يتطلب تطوير البلوك البحري رقم 3 استثمارات رأسمالية ضخمة، تبدأ من مرحلة المسوحات السيزمية وحفر الآبار الاستكشافية، وقد تصل إلى مليارات الدولارات عند الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري. وكشف الخبير عبد الكريم عن تقديرات مالية دقيقة لهذه المراحل:

المسوحات السيزمية ثلاثية الأبعاد: تكلف عادة بين 30 و60 مليون دولار للبلوك الواحد.

حفر البئر الاستكشافية الواحدة: في المياه العميقة يتراوح بين 80 و150 مليون دولار، إذ يتطلب استئجار منصات حفر عائمة متخصصة تصل تكلفة تشغيلها اليومية إلى نصف مليون دولار، وتحتاج البئر الواحدة بين 60 و90 يوماً من العمل المتواصل.

المرحلة الاستكشافية كاملة: قد تحتاج إلى بئرين أو ثلاث، أي أن مجرد التأكد من وجود الغاز قد يستهلك ما بين 250 و500 مليون دولار قبل إنتاج أول متر مكعب من الغاز.

مرحلة التطوير الكامل: إذا تحقق اكتشاف تجاري وتم الانتقال إلى الإنتاج، فالتجارب الإقليمية المماثلة تتحدث عن استثمارات تتراوح بين 3 و10 مليارات دولار، بحسب حجم الحقل وعمق المياه.

البنية التحتية: ثلاث حلقات متكاملة لتحويل الغاز إلى طاقة
لا يمكن الاستفادة من أي اكتشاف غازي بحري دون توفر بنية تحتية متكاملة تتكون من ثلاث حلقات مترابطة، بحسب شرح الخبير عبد الكريم:

الحلقة البحرية: وتشمل منصات الإنتاج الثابتة أو أنظمة الإنتاج المثبتة على قاع البحر (وهي التقنية الأحدث التي تدار عن بعد من الشاطئ)، بالإضافة إلى خطوط الأنابيب البحرية الناقلة للغاز إلى اليابسة، وتتراوح تكلفة الكيلومتر الواحد من هذه الأنابيب بين مليون وثلاثة ملايين دولار حسب العمق.

الحلقة الساحلية: وتتمثل في محطة معالجة الغاز، وهي المنشأة التي تنقي الغاز من الشوائب والسوائل والرطوبة قبل ضخه في الشبكة، وتكلف عادة بين 500 مليون ومليار دولار حسب الطاقة الاستيعابية.

الحلقة الداخلية: وهي شبكة النقل الداخلية التي توصل الغاز إلى محطات توليد الكهرباء والمصانع ومحطات التصدير.

ميزة تنافسية سورية: بنية تحتية موجودة تنتظر التأهيل
تمتلك سوريا ميزة تنافسية حقيقية في هذا المشروع، فهي تمتلك شبكة غاز داخلية واسعة بُنيت قبل الحرب، تربط الساحل بمدن حمص ودمشق وحلب، كما تمتلك خط الغاز العربي المتصل بالأردن ومصر، والذي يمكن أن يعمل بالاتجاهين استيراداً وتصديراً. وهذا يعني أن جزءاً مهماً من البنية التحتية موجود فعلاً ويحتاج فقط إلى إعادة تأهيل، بتكلفة تقدر بمئات الملايين من الدولارات، وهو مبلغ أقل بكثير من بناء شبكة جديدة بالكامل. وهذا يخفض تكلفة التطوير المستقبلي بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بدولة تبدأ من الصفر، ويقصر المدة الزمنية للوصول إلى السوق بسنة إلى سنتين، مما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروع بشكل كبير.

موارد محتملة واعدة: تقديرات أولية تنتظر التأكيد
كشف الخبير عبد الكريم عن تقديرات أولية متداولة تشير إلى أن المياه الإقليمية السورية قد تحتوي على نحو 285 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي و2.5 مليار برميل من النفط. لكنه شدد على أن هذه الأرقام لا تمثل احتياطيات مؤكدة، بل موارد محتملة تستند إلى الدراسات الجيولوجية ونتائج المسوحات الأولية، ولا يمكن تصنيفها كاحتياطيات مؤكدة إلا بعد تنفيذ عمليات الحفر واختبار الآبار وقياس معدلات الإنتاج الفعلية، وهي المرحلة التي تحدد الجدوى الاقتصادية للمشروع وإمكانية تطويره تجارياً. ومع ذلك، فإن حجم هذه التقديرات الأولية يعكس إمكانات هائلة، قد تجعل سوريا واحدة من اللاعبين الجدد في سوق الغاز الإقليمي.

الآثار الاقتصادية والاستراتيجية: من الكهرباء إلى التصدير
في حال نجحت عمليات الاستكشاف وأسفرت عن اكتشافات تجارية، فإن الآثار الاقتصادية لهذا المشروع ستمتد على عدة مراحل زمنية، كما استعرضها الخبير عبد الكريم:

على المدى القصير: يسهم المشروع في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وتنشيط قطاع الخدمات اللوجستية والنقل البحري والمطاعم والفنادق.

على المدى المتوسط: يمكن للغاز المستخرج أن يدعم قطاع الكهرباء بشكل كبير من خلال توفير الوقود اللازم لمحطات التوليد، مما يسهم في تخفيف أزمة الكهرباء المزمنة التي تعاني منها سوريا، وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد المكلف.

على المدى الطويل: قد تتحول سوريا إلى لاعب فاعل في سوق غاز شرق المتوسط، مع إمكانية تصدير الغاز الفائض عبر خط الغاز العربي إلى الأردن ومصر، أو من خلال منشآت الإسالة المصرية التي تحول الغاز إلى غاز مسال قابل للشحن بحراً إلى الأسواق الأوروبية، مما قد يوفر للدولة إيرادات كبيرة من العملات الصعبة ويعزز مكانتها الجيوسياسية في أسواق الطاقة الإقليمية.

مشروع طموح في انتظار الدراسات والاستثمارات
يمثل البلوك البحري رقم 3 أحد أكثر المشاريع الاقتصادية طموحاً في سوريا ما بعد الحرب، حيث يحمل في طياته وعوداً بإعادة إحياء قطاع الطاقة وجذب استثمارات دولية كبرى، وتوفير مصادر جديدة للدخل، ودعم قطاعات حيوية كالكهرباء والصناعة. ورغم أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى، فإن دخول شركات عالمية بهذا الحجم والسمعة في مرحلة المذكرات الأولية يعكس ثقة متزايدة بالإمكانات الكامنة في المياه الإقليمية السورية، وتطلعاً حقيقياً للمشاركة في مستقبل الطاقة في شرق المتوسط. ويبقى نجاح هذا المشروع رهناً بنتائج الدراسات الفنية وعمليات الاستكشاف الفعلية، التي ستحدد ما إذا كانت هذه الإمكانات الواعدة ستتحول إلى احتياطيات مؤكدة قابلة للإنتاج والاستثمار، وستفتح صفحة جديدة في تاريخ الاقتصاد السوري.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى