مصر تفرض رسوما على مغادري البلاد

في خطوة تشريعية جديدة تهدف إلى تعزيز موارد الدولة المالية، أصدرت الجريدة الرسمية في مصر قراراً جمهورياً يتضمن تعديلات جوهرية على رسوم تنمية الموارد المالية للدولة، أبرزها فرض رسم إضافي على مغادرة أراضي الجمهورية، إلى جانب رسوم جديدة على صناعة الأسمنت. وتأتي هذه التعديلات في سياق سياسات اقتصادية تهدف إلى زيادة الإيرادات العامة، وسط ترقب شعبي لتداعيات هذه القرارات على الأعباء المعيشية والقطاع الإنتاجي.
تفاصيل التعديلات الجديدة في رسوم تنمية الموارد المالية
نشرت الجريدة الرسمية المصرية القرار الجمهوري المتضمن تعديل البندين رقمي (5) و(19) من المادة الأولى بالقانون رقم 148 لسنة 2026، على أن يبدأ العمل بالتعديلات اعتباراً من اليوم التالي لتاريخ النشر.
وينص التعديل الأول على تحصيل رسم قدره 100 جنيه مصري عن كل شخص عند مغادرة أراضي جمهورية مصر العربية، مع استثناءات محددة تشمل:
- سائقي سيارات نقل الركاب والبضائع العمومية (مصريين وأجانب)
- العاملين على خطوط الشاحنات الحدودية
أما التعديل الثاني فيفرض رسم قدره 35 جنيهاً عن كل طن من الأسمنت المنتج بجميع أنواعه، مع إلزام المصانع بتوريد قيمة الرسم المستحق إلى مصلحة الضرائب المصرية.
ومن الجدير بالذكر أن القانون الأصلي الصادر عام 1984 كان ينص على رسم مغادرة قدره 5 جنيهات فقط، مما يعني أن الزيادة الجديدة تمثل قفزة نوعية في قيمة هذا الرسم بعد أربعة عقود من العمل بالقانون القديم.
قراءة اقتصادية لقرار رسوم المغادرة
يمثل فرض رسم المغادرة بقيمة 100 جنيه تحولاً في سياسة تحصيل الإيرادات من المسافرين، سواء كانوا مواطنين مصريين أو مقيمين أو زواراً. ورغم أن المبلغ قد يبدو محدوداً نسبياً مقارنة بتكاليف السفر، إلا أن تأثيره التراكمي على حركة السفر والسياحة قد يكون ملحوظاً، خاصة في ظل المنافسة الإقليمية لجذب السياح وتشجيع السفر.
ويبدو أن الاستثناءات المقررة لفئات النقل البري والشاحنات الحدودية تهدف إلى عدم التأثير على الحركة التجارية واللوجستية الحيوية، مع الحفاظ على تدفق البضائع والركاب بين مصر والدول المجاورة دون أعباء إضافية.
رسوم الأسمنت.. تداعيات على قطاع البناء والتشييد
أما فرض الرسم على إنتاج الأسمنت، فيُعد قراراً مؤثراً على أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد المصري، إذ يُستخدم الأسمنت كمادة أساسية في مشروعات البناء والتشييد والبنية التحتية. ومع إلزام المصانع بتوريد قيمة الرسم إلى مصلحة الضرائب، فإن التكلفة الإضافية قد تنتقل بشكل أو بآخر إلى المستهلك النهائي، مما يرفع أسعار مواد البناء ويزيد من أعباء قطاع الإسكان والمقاولات.
ويرى مراقبون أن هذه الرسوم تأتي في إطار توسيع قاعدة الإيرادات الحكومية بعيداً عن الضرائب المباشرة، لكنها قد تساهم في رفع تكاليف الإنتاج للعديد من الصناعات المرتبطة بقطاع التشييد، مما ينعكس سلباً على الأسعار النهائية للمشروعات السكنية والمرافق العامة.
التوجه نحو التحول الرقمي في التأشيرات
وفي سياق متصل بتسهيل حركة السفر، تتجه مصر إلى تطبيق منظومة إلكترونية جديدة للتأشيرات، في خطوة تهدف إلى زيادة القدرة التنافسية للقطاع السياحي ودعم خطة الدولة للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030.
وأوضح شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن المنظومة الجديدة تعتمد على استخدام رمز الاستجابة السريعة (QR Code) كبديل عن الطابع التقليدي لتأشيرة الوصول، مع تحديد موعد إطلاقها رسمياً خلال شهر أغسطس المقبل، بعد الانتهاء من كافة التجهيزات الفنية اللازمة.
وبموجب النظام الجديد، يمكن للسائحين من 118 جنسية الحصول على تأشيرة عند الوصول، مع إمكانية استخراج رمز الدخول إلكترونياً قبل السفر بنحو 48 ساعة، سواء عبر الموقع الإلكتروني الرسمي أو من خلال شركات السياحة الخارجية والجهات المستقبلة داخل مصر. كما يمكن استكمال الإجراءات عند الوصول باستخدام وسائل الدفع الإلكتروني أو أجهزة الخدمة الذاتية المنتشرة في المطارات.
توازن بين تحصيل الإيرادات وتيسير الحركة السياحية
يبدو أن الحكومة المصرية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين زيادة إيرادات الدولة عبر الرسوم الجديدة، وتحفيز القطاع السياحي عبر تحديث منظومة التأشيرات وتسهيل إجراءات الدخول. غير أن نجاح هذه السياسات يعتمد على مدى قدرة الاقتصاد المصري على استيعاب الأعباء الإضافية الناتجة عن الرسوم، خاصة في ظل موجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التي يعاني منها المواطن المصري حالياً.
ومع دخول التعديلات حيز التنفيذ، تبقى الأنظار متجهة إلى ردود فعل السوق وقطاع الأعمال، وإلى ما إذا كانت هذه الإجراءات ستحقق الأهداف المرجوة في تعزيز الموارد المالية دون التأثير سلباً على النشاط الاقتصادي والحركة السياحية والتجارية.
في خطوة تشريعية تحمل مضاعفات اقتصادية متعددة، تبدأ مصر تطبيق رسوم مغادرة جديدة ورسوم على إنتاج الأسمنت، في وقت تواصل فيه الدولة تحديث منظومتها السياحية والتأشيرات الإلكترونية لتعزيز تنافسيتها الإقليمية والدولية. ويبقى التحدي الأكبر أمام صناع القرار هو تحقيق التوازن بين تحصيل الإيرادات الضرورية لدعم الميزانية العامة، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، وجاذبية السوق المصرية للاستثمار والسياحة على حد سواء.
روسيا اليوم



