“لوموند”: السياسات الاقتصادية لحكومة الشرع تعمّق الفقر في سوريا

بعد أشهر من سقوط نظام بشار الأسد، تجد الحكومة السورية برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع نفسها أمام أحد أكثر الملفات تعقيداً في المرحلة الانتقالية، وهو إعادة بناء اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات والانهيار المالي. في محاولة لإنعاشه، تبنت دمشق حزمة إصلاحات تقوم على تقليص دور الدولة وفتح المجال أمام اقتصاد السوق، غير أن هذه السياسات بدأت تفرض أعباء معيشية متزايدة على السوريين، وسط تساؤلات بشأن قدرتها على تحقيق التعافي الاقتصادي.
إرث الانهيار وأعباء المرحلة الانتقالية
ورثت الحكومة الجديدة اقتصاداً منهكاً وبنية تحتية شبه مدمرة، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تقدر بنحو 400 مليار دولار، بينما يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، وتعتمد نسبة كبيرة من الأسر على التحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتها الأساسية. هذا الواقع جعل الانتقال من نموذج اقتصادي مركزي بيروقراطي إلى اقتصاد السوق الحر تحدياً استثنائياً، خاصة في ظل غياب مؤسسات قادرة على إدارة هذا التحول بسلاسة.

سياسات رفع الدعم وتحرير الأسعار.. بين الضرورة والتداعيات
ترى الحكومة السورية أن منظومة الدعم التي ورثتها عن النظام السابق أصبحت عبئاً مالياً يصعب الاستمرار في تمويله، في ظل محدودية الإيرادات العامة وارتفاع كلفة إعادة الإعمار. ومن هذا المنطلق، بدأت بتقليص الدعم عن المحروقات والكهرباء وعدد من السلع الأساسية، ضمن سياسة تستهدف تحرير الأسعار وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وتشجيع القطاع الخاص على قيادة مرحلة التعافي.
لكن هذه الإجراءات انعكست سريعاً على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار الوقود والنقل والمواد الغذائية، في حين بقيت الأجور عند مستويات متدنية، الأمر الذي زاد الضغوط على الأسر السورية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية. ووفقاً لتقرير صحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن رفع الدعم وتحرير الأسعار يجريان بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد والمجتمع على استيعابهما، محذراً من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع مزيداً من السوريين نحو الفقر.
غياب المؤسسات.. الفجوة بين الطموح والواقع
بحسب “لوموند”، فإن المشكلة لا تكمن في تبني اقتصاد السوق بحد ذاته، إنما في غياب المؤسسات القادرة على إدارة هذا التحول. ففي الاقتصادات التي تمر بمراحل إعادة تشكل، لا تنجح الفرص الاستثمارية بمجرد وجود الطلب، بل بوجود بيئة قادرة على تحويل هذه الفرص إلى مشاريع قابلة للاستمرار. وهذا يتطلب نظاماً مصرفياً فاعلاً، وقضاءً مستقلاً، وهيئات رقابية تنظم المنافسة، إلى جانب شبكات حماية اجتماعية تخفف آثار الإصلاحات على الفئات الأكثر هشاشة.
وينقل التقرير عن أحد الخبراء قوله إن ما يجري في البلاد “ليس استراتيجية اقتصادية واضحة، بل حالة من الفوضى”، في إشارة إلى غياب رؤية متكاملة لإدارة مرحلة التحول. ففي الوقت الذي تتجه فيه الدولة نحو تقليص دورها، لا تزال آليات الحماية الاجتماعية غائبة، مما يترك الفئات الأكثر تضرراً دون شبكة أمان تحميها من تداعيات الإصلاحات.

الاستثمارات تنتظر.. والفقر يتسع
تعول الحكومة على القطاع الخاص ورجال الأعمال السوريين في الداخل والخارج للمساهمة في إعادة تنشيط الاقتصاد، إلا أن تدفق الاستثمارات لا يزال محدوداً. ويرى مراقبون أن المستثمرين ينتظرون استقرار البيئة القانونية والمالية، ووضوح السياسات الاقتصادية، إلى جانب تخفيف العقوبات الغربية، قبل ضخ استثمارات كبيرة في السوق السورية.
وفي المقابل، تتزايد الضغوط المعيشية على السوريين، إذ تعتمد أعداد متزايدة من الأسر على تحويلات أقاربها في الخارج أو المساعدات الإنسانية لتغطية احتياجاتها الأساسية، بينما لم تعد الرواتب تكفي سوى جزء يسير من تكاليف المعيشة. ويشير تقرير لوموند إلى أن عدداً متزايداً من العائلات اضطر إلى تقليص استهلاك الكهرباء والاستغناء عن احتياجات أساسية، والاعتماد على الاستدانة لتغطية نفقاتها، في مشهد يعكس عمق الأزمة المعيشية التي تعصف بالشعب السوري.
التوازن المفقود.. بين الإصلاح والحماية
يحذر اقتصاديون من أن استمرار رفع الدعم من دون برامج حماية اجتماعية فعالة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر، وتسارع تآكل الطبقة الوسطى، بما يهدد الاستقرار في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى بيئة أكثر تماسكاً لدعم عملية التعافي. وتخلص “لوموند” إلى أن نجاح الحكومة السورية يقاس بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين الإصلاحات المالية وحماية الفئات الأكثر تضرراً، بحيث لا تتحول سياسات التعافي إلى عامل إضافي يفاقم الأزمات المعيشية التي يواجهها السوريون منذ سنوات.
الحل نت



