أسباب خفية لتوقف الحرب الأمريكية الإيرانية

أثار تعليق الولايات المتحدة ضرباتها العسكرية ضد إيران، بعد سلسلة استمرت قرابة الأسبوعين، تساؤلات عدة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الهدوء. ورغم التصريحات الرسمية التي تحدثت عن فتح “ممر للفرص” الدبلوماسية، تشير معطيات وتحليلات إلى أن عوامل أخرى تلعب دوراً محورياً في هذا القرار، تتعلق بنقص حاد في مخزونات الأسلحة واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي الحساسة في الولايات المتحدة .
حسابات دبلوماسية أم نقص في الذخائر؟
صرّح المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، بأن الرئيس ترامب أوقف الضربات لإتاحة مجال للمفاوضات. وبالفعل، توقفت سلسلة الهجمات الأمريكية، فيما أبدت طهران امتناعها عن تنفيذ ضربات انتقامية ضد القواعد الأمريكية. وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيا: “ربما وضعت الولايات المتحدة سيناريوهات أخرى للأيام المقبلة، لكن الوضع الحالي لا يتوافق مع رغباتها” محذراً من أن استمرار الحرب سيوسع جغرافية الصراع .
لكن وكالة “نوفوستي” نقلت عن مصادر أن هذا الهدوء قد يكون مؤقتاً، خاصة مع استمرار ترامب في إرسال إشارات متناقضة؛ فهو من جهة يلمح إلى مسار تفاوضي دبلوماسي، ومن جهة أخرى يهدد بعمليات عسكرية جديدة “غير مسبوقة” في حال عدم تحقيق نتيجة إيجابية .
أزمة مخزونات الدفاع الجوي
كشفت تحليلات و تقارير صحفية أن القلق من تناقص مخزونات منظومات الدفاع الجوي، وخصوصاً صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، كان عاملاً رئيسياً في قرار كبح التصعيد العسكري . وحذّر مستشارو ترامب من أن حرباً أوسع قد تستنزف مخزونات الدفاع الجوي بشكل خطر، وتعرض القواعد الأمريكية في المنطقة للخطر .
وتشير تقديرات مركز “CSIS” إلى أن مخزون صواريخ “باتريوت” انخفض من 2,330 صاروخاً قبل الحرب إلى ما بين 759 و827 صاروخاً فقط بعد القتال الأخير، أي بتراجع يتجاوز 65% منذ بدء النزاع . أما مخزون صواريخ “ثاد” (THAAD) الاعتراضية، فقد انخفض بنسبة لا تقل عن 38% خلال الفترة ذاتها . وقد أقرّ المندوب الأمريكي والتز بأن “جزءاً كبيراً” من الأسلحة استنزف بسبب الصراع في أوكرانيا وتبادل الضربات مع الحوثيين، لكنه نفى وجود نقص حاد يؤثر على الفعالية العملياتية .
ويعكس هذا القلق تصريحات جنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي أبلغ الرئيس أن استنزاف الذخائر قد يؤثر على العمليات العسكرية في إيران، مما يضطر القوات أحياناً للاختيار بين اعتراض الصواريخ الإيرانية أو التضحية ببعضها للحفاظ على المخزونات .
حسابات انتخابات التجديد النصفي
في ظل تراجع معدلات التأييد للرئيس ترامب، وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية نتيجة الحرب، باتت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر 2026 تمثل ضغطاً إضافياً على الإدارة الأمريكية . ويبدو أن الجمهوريين، الذين يخشون خسارة الأغلبية، يضغطون من أجل إيجاد مخارج دبلوماسية، أو على الأقل تهدئة عسكرية مؤقتة، لتجنب تأثيرات سلبية على صناديق الاقتراع .
ويرى مراقبون أن الطرفين يماطلان حتى موعد الانتخابات، حيث أن استمرار التوقف في تبادل الضربات يصب في مصلحة الفريقين حالياً. ويقول الباحث أندريه ياشلافسكي: “كل ذلك، في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، يدفع واشنطن على الأقل إلى أخذ فترة توقف. سيستمر الصراع، لكن في مرحلة بطيئة” . ويضيف الباحث فلاديمير ساجين أن “الطريق إلى الصفقة لا يزال بعيداً”، وأن التناقضات حول الملف النووي الإيراني ووكلاء إيران عميقة جداً .
مأزق المفاوضات واستمرار التصعيد المحتمل
ورغم التصريحات المتفائلة للرئيس ترامب والتي كرر فيها أكثر من 38 مرة أن الصفقة “وشيكة”، إلا أن طهران تنفي أي مفاوضات مباشرة، وتشير وسائل الإعلام إلى فشل حتى المشاورات “الفنية” بين الجانبين . ومع استمرار إيران في الإصرار على حقوقها في مضيق هرمز ورفض المقترحات المتعلقة بالرسوم والإدارة المشتركة، يبدو أن أي اتفاق شامل لا يزال بعيد المنال .
وخلُصت وكالة “نوفوستي” إلى أنه “في الوقت الراهن عاد الصراع إلى التوقف مرة أخرى، لكن السؤال هو إلى متى سيستمر ذلك”. وأشارت إلى أن عدم القدرة على التنبؤ بالزعيم الأمريكي قد يقلب جميع التوقعات، وأن الجمهوريين لا يمكنهم تجاهل الانتخابات النصفية المقبلة في ظل تراجع معدلات تأييدهم، مما يترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة، قد تعود معها الضربات الجوية في أي لحظة .
روسيا اليوم



