مع تكرار ترامب دعوته لدمشق.. هل يخضع الشرع ويتدخل ضد حزب الله؟

رغم الزخم الدبلوماسي الذي اكتسبته حكومة أحمد الشرع في دمشق، مع تحول جذري في علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، يلوح في الأفق ملف شائك يُهدد استقرارها الهش، إنه ملف العلاقة مع لبنان وحزب الله. فبينما يسعى الشرع لترسيخ صورته كقائد يركّز على بناء الدولة وتجنب الصراعات، يواجه ضغوطاً أمريكية متصاعدة للتحرك ضد الحزب، في مأزق يجمع بين إرث الماضي واحتياجات الحاضر ورهانات المستقبل.
إرث ثقيل وعلاقة مدمرة
تُشير صحيفة “معاريف” العبرية إلى أن العلاقة بين سوريا ولبنان تحمل إرثاً ثقيلاً من التدخل العسكري المباشر لنظام الأسد، الأب والابن، والذي استمر نحو 30 عاماً حتى عام 2005. إلا أن تدخل حزب الله في الحرب الأهلية السورية إلى جانب نظام الأسد، لم يُحرر البلدين من هذا التقارب الذي وُصف بـ”المدمر” . ويؤكد الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة أن هناك “جرحاً سورياً عميقاً” لا يزال حياً حتى اليوم، وأن حزب الله جزء منه، في إشارة واضحة إلى دور الحزب في قمع الثورة السورية إلى جانب النظام المخلوع . هذا الماضي المؤلم يضعف أي محاولة لبناء علاقة طبيعية، لكنه في الوقت نفسه، يمنح دمشق ذريعة للتعامل بحذر مع الحزب على أراضيها.
ضغوط ترامب وتفسير “مُحرج”
في المقابل، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصمماً على إشراك سوريا في معركة إضعاف حزب الله في لبنان. فقد صرّح مراراً بأنه “يودّ أن تتولى سوريا أمر حزب الله”، معبراً عن خيبة أمله من أداء إسرائيل في التعامل مع الحزب، ومشيراً إلى أن دمشق قد تقوم بالمهمة “بدقة أكبر” . ومع أن الرئيس الشرع سارع إلى توضيح أن تصريحات ترامب قد أُسيء فهمها، وأنها لم تكن تعني تدخلاً عسكرياً سورياً، بل دوراً في الجهود الدبلوماسية لإيجاد حل سلمي ، إلا أن استمرار ترامب في طرح الفكرة يجعل من الصعب على دمشق تجاهلها، خاصة وأن واشنطن كانت المحرك الأساسي لتأسيس نظام دمشق الجديد .
بين القدرات والأولويات.. لماذا ترفض دمشق التدخل؟
تدرك القيادة السورية جيداً أن خوض مغامرة عسكرية في لبنان ليس في مصلحتها، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
الانهيار الداخلي والقدرات المحدودة: لا يزال الجيش السوري يعتمد بشكل رئيسي على تشكيلات “هيئة تحرير الشام” السابقة، وهو غير مؤهل حالياً لمواجهة تحدي حزب الله في الخارج. فالدولة منشغلة بتوسيع سيطرتها على كامل أراضيها، ودمج الفصائل، وجذب الاستثمارات، وإنعاش اقتصاد منهك. أي تدخل خارجي قد يُهدد هذا الاستقرار الهش .
الخشية من التورط في صراع إقليمي: يُجمع المحللون على أن دمشق تخشى الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، وأن أي خطوة ضد حزب الله في لبنان ستُشعل التوترات الطائفية داخل سوريا ولبنان على حد سواء، وستُعيد إنتاج سيناريوهات الصراع التي أنهكت البلاد لعقود . وقد حذّر الرئيس الشرع مراراً من أن أي تصعيد في لبنان ستكون له “عواقب كبيرة على سوريا” .
الالتزام بسيادة لبنان ورفض التدخل: يكرس النظام الجديد في دمشق خطاباً مغايراً تماماً لخطاب النظام المخلوع، حيث يؤكد وزير خارجيته وقيادته أن سوريا ترفض التدخل في الشؤون اللبنانية، وتؤمن بضرورة احترام سيادة لبنان واستقلالية قراره . وقد رحب رئيس الوزراء اللبناني بهذا الموقف الذي “وضع حداً للتكهنات والافتراضات المضللة” حول نوايا دمشق .
حل وسط: تشديد القبضة على الحدود
في ظل هذا المأزق، تبدو سوريا وكأنها تختار طريقاً وسطاً. فبدلاً من التدخل العسكري المباشر، تُركّز على تشديد قبضتها الأمنية على حدودها مع لبنان، وخاصة في معبر التنف، لمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله . وقد نجحت دمشق في اعتراض شحنات ضخمة كانت متجهة إلى الحزب، شملت صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة وذخائر متطورة . هذا النهج يُرضي واشنطن وإسرائيل إلى حد ما، حيث يُضعف قدرات حزب الله اللوجستية، دون أن يُورط سوريا في حرب مفتوحة، ويُتلاقى أيضاً مع المصالح التركية التي تدرك محدودية قدرات الشرع وتخشى على استقرار نظامه .
رقصة دبلوماسية على حافة الهاوية
يبقى الموقف السوري من حزب الله في لبنان محكوماً بحسابات دقيقة ومعقدة. فالرئيس الشرع، الذي يركّز على بناء الدولة وتجنب الصراعات ، يجد نفسه مضطراً للمناورة بين إرضاء الراعي الأمريكي الذي يتعيّن عليه الحفاظ على دعمه، والحفاظ على استقرار بلاده الهش الذي لا يحتمل مغامرات جديدة. إنه أشبه براقص على حافة الهاوية، فكل خطوة خاطئة قد تعني السقوط في صراع إقليمي يُفقد البلاد ما حققته من مكاسب. ومع استمرار الضغوط الأمريكية، يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن لدمشق أن تذهب في تشديد قبضتها على حزب الله دون أن تنزلق إلى الحرب، وما هو الثمن الذي قد تدفعه مقابل هذا التمركز الدقيق؟
عربي21



