اقتصاد

عقارات سورية بين الركود وغلاء الأسعار.. لماذا لا تنخفض رغم تراجع المبيعات؟

لا يزال سوق العقارات في سورية يثير الكثير من التساؤلات، مع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم حالة الركود التي تخيم على عمليات البيع والشراء. فالمنازل والأراضي تواصل تسجيل أسعار قياسية، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين، ما يطرح تساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذا الواقع، وما إذا كانت الأسعار الحالية تعكس القيمة الفعلية للعقارات أم أنها نتيجة ظروف اقتصادية استثنائية.
العقار ملاذ لحفظ الأموال
يرى مختصون أن الارتفاع المستمر في أسعار العقارات ليس وليد المرحلة الحالية، بل هو حصيلة سنوات من الأزمات الاقتصادية وتراجع قيمة الليرة السورية. ومع محدودية فرص الاستثمار، اتجه كثيرون إلى شراء العقارات باعتبارها الوسيلة الأكثر أماناً للحفاظ على قيمة مدخراتهم، الأمر الذي عزز الطلب الاستثماري ودفع الأسعار إلى الارتفاع، حتى مع ضعف الطلب السكني الحقيقي.
غياب التنظيم يزيد المضاربات
وأوضح الدكتور شفيق عربش، الأستاذ في كلية الاقتصاد، أن الحديث عن انخفاض أسعار العقارات لا يستند حالياً إلى مؤشرات اقتصادية واضحة، إذ لم تشهد تكاليف البناء أو أسعار الأراضي أو سعر الصرف تغيرات جوهرية تدفع السوق إلى التراجع.
وأضاف أن حالة الركود الحالية تعكس ضعف الإقبال على الشراء أكثر مما تعكس انخفاضاً في الأسعار، مشيراً إلى أن غياب آليات واضحة لتنظيم السوق يترك المجال واسعاً للمضاربين والوسطاء، ما يؤدي إلى فجوة كبيرة بين القيمة الحقيقية للعقار والسعر المعروض للبيع.
فجوة واسعة بين الأسعار والدخل
وأكد عربش أن العقار تحول خلال السنوات الماضية من وسيلة لتأمين السكن إلى أداة استثمارية، نتيجة ضعف القطاع المصرفي وغياب البدائل الاستثمارية، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بوتيرة لا تتناسب مع دخول المواطنين.
وأشار إلى أن امتلاك منزل أصبح حلماً بعيد المنال بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين، لأن الأسعار باتت تتأثر بعوامل مثل المضاربة، وموقع العقار، ونقص المعروض، وتوقعات المستثمرين، أكثر من ارتباطها بتكاليف البناء الفعلية.
إعادة الإعمار قد تغيّر المشهد
ويرى عربش أن مرحلة إعادة الإعمار قد تعيد رسم ملامح السوق العقارية، مع ازدياد الحاجة إلى بناء وترميم آلاف الوحدات السكنية، إضافة إلى عودة بعض السوريين من الخارج وتحسن حركة الاستثمار. لكنه شدد على أن هذه العوامل لا تعني بالضرورة استمرار ارتفاع الأسعار، إذ إن تحقيق التوازن يتطلب استثمارات إنتاجية واستقراراً اقتصادياً حقيقياً.
هل ينتعش السوق قريباً؟
من جانبه، أوضح الخبير العقاري الدكتور عمار يوسف أن عودة المغتربين قد ترفع الطلب على العقارات، إلا أن السوق لا تزال بحاجة إلى بيئة اقتصادية أكثر استقراراً حتى تستعيد نشاطها بالكامل.
وأضاف أن تراجع حركة البناء بسبب نقص السيولة لدى بعض المستثمرين ساهم في محدودية المعروض، وهو ما أبقى الأسعار مرتفعة رغم ضعف حركة البيع.
وفي المقابل، يرى بعض الخبراء أن السوق وصلت إلى مرحلة من التضخم السعري، وأن استمرار الأسعار بعيداً عن مستويات الدخل قد يدفعها مستقبلاً إلى تصحيح تدريجي يعيد التوازن بين العرض والطلب.
ما الحل؟
يرى مختصون أن معالجة أزمة العقارات تبدأ بتنظيم السوق ووضع أسس واضحة للتقييم والتسعير، والحد من المضاربات، إلى جانب دعم قطاع البناء، وتوفير التمويل للمشروعات السكنية، وتفعيل القروض العقارية بشروط مناسبة.
كما أن تطوير القطاع المصرفي وتنشيط القطاعات الاقتصادية الأخرى قد يسهمان في تقليل الاعتماد على العقار كوسيلة لحفظ الأموال، بما يساعد على خلق سوق أكثر استقراراً وتوازناً بين مصالح المستثمرين وقدرة المواطنين على التملك.
الوطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى