بعد تراجع الإنتاج.. خبير اقتصادي : التمويل الإسلامي الصغير قد يكون بوابة التعافي في سورية

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها سورية، يبرز التمويل الإسلامي الصغير كأحد الحلول المطروحة لدعم المشروعات الإنتاجية وتحريك عجلة الاقتصاد، خاصة مع تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة وتآكل القدرة الشرائية. ويرى مختصون أن هذا النوع من التمويل لم يعد مجرد بديل مصرفي، بل أصبح أداة تنموية يمكن أن تسهم في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار إذا توفرت له البيئة القانونية والتنظيمية المناسبة.
وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، في تصريح لصحيفة “الوطن”، أن الأزمات الاقتصادية المتراكمة تستدعي البحث عن أدوات تمويل جديدة تتجاوز مفهوم الإقراض التقليدي، مشيراً إلى أن التمويل الإسلامي الصغير يقوم على الشراكة في الإنتاج وتحمل المخاطر، بدلاً من الاعتماد على الفوائد.
تمويل يدعم الإنتاج لا الاستهلاك
وأوضح محمد أن التمويل الإسلامي يعتمد على صيغ متنوعة مثل المرابحة، والإجارة، والمشاركة، والسلم، وهي أدوات تتيح تمويل شراء المعدات والمواد الأولية ووسائل الإنتاج، بدلاً من منح سيولة نقدية قد تتجه إلى الإنفاق الاستهلاكي.
وأضاف أن هذه الصيغ تتناسب مع طبيعة الاقتصاد السوري في المرحلة الحالية، حيث يعتمد عدد كبير من المواطنين على المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر كمصدر رئيسي للدخل.
ضرورة اقتصادية في مرحلة التعافي
ويرى الخبير الاقتصادي أن الحاجة إلى التمويل الإسلامي الصغير أصبحت ضرورة وليست مجرد خيار، لافتاً إلى أن شريحة واسعة من السوريين، ولا سيما في المناطق الريفية، تفضل الابتعاد عن التمويل التقليدي لأسباب دينية، ما يجعل هذا النموذج وسيلة لإعادة دمجها في النشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن التمويل الإسلامي يخفف أيضاً من الأعباء التي قد تواجه أصحاب المشروعات عند التعثر، لأنه يقوم على تقاسم المخاطر بين المؤسسة التمويلية والعميل، الأمر الذي يمنحه بعداً اجتماعياً إلى جانب دوره الاقتصادي.
شراكة تعزز نجاح المشروعات
وبيّن محمد أن ارتباط التمويل الإسلامي بالأصول الحقيقية يضمن توجيه الأموال إلى أنشطة إنتاجية تخلق قيمة مضافة، وتسهم في الحد من التضخم الناتج عن ضخ السيولة دون زيادة في الإنتاج.
وأضاف أن المؤسسات التمويلية لا تكتفي بدور المقرض، بل تتحول إلى شريك في المشروع، من خلال تقديم الدعم الفني والاستشاري، وهو ما يرفع فرص نجاح المشروعات الصغيرة ويحد من نسب تعثرها.
كما لفت إلى أن التمويل الإسلامي يرسخ مبادئ المسؤولية والأخلاق في النشاط الاقتصادي، عبر تجنب تمويل الأنشطة الضارة والتركيز على المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية.
السوق السورية مهيأة… لكن التشريعات ما تزال عائقاً
وأوضح أستاذ التمويل والمصارف أن السوق السورية تمتلك طلباً متزايداً على هذا النوع من التمويل، في ظل توسع المشروعات العائلية والصغيرة، وازدياد الرغبة في الحصول على شريك تمويلي موثوق بدلاً من اللجوء إلى المرابين أو القروض مرتفعة الكلفة.
إلا أنه أشار إلى أن نجاح التجربة يتطلب تطوير الإطار التشريعي، وإصدار قوانين تنظم المصرفية الإسلامية والتمويل الأصغر، إضافة إلى معالجة مشكلة الازدواج الضريبي، وتوفير أدوات لإدارة السيولة، وتوحيد الضوابط الشرعية، وتأهيل كوادر متخصصة في هذا المجال.
المنافسة تقوم على الثقة
ويرى محمد أن التمويل الإسلامي الصغير قادر على منافسة مؤسسات التمويل التقليدية خلال السنوات المقبلة، رغم التحديات التشغيلية والضريبية التي قد تواجهه في البداية.
وأوضح أن ميزته الأساسية لا تكمن في انخفاض التكلفة، وإنما في بناء علاقة طويلة الأمد مع العميل تقوم على الشراكة وتقاسم المخاطر، بعيداً عن الرسوم والفوائد المرتفعة، وهو ما يعزز الثقة ويمنح أصحاب المشروعات مساحة أكبر للاستمرار والتوسع.
من الإغاثة إلى التنمية
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التمويل الإسلامي الصغير يمكن أن يسهم في نقل الاقتصاد السوري من مرحلة الاعتماد على المساعدات إلى مرحلة الإنتاج، من خلال تمويل المشروعات الزراعية، والصناعات الحرفية، ومشروعات الطاقة المتجددة، بما يساعد على خلق فرص عمل وتحريك الاقتصاد المحلي.
واختتم محمد حديثه بالتأكيد على أن التمويل الإسلامي الصغير يمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء العلاقة بين القطاع المالي والاقتصاد الإنتاجي، مشدداً على أن نجاحه يتطلب إصلاحات تشريعية وتنظيمية تضمن العدالة والشفافية، وتربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، بما يجعله أحد الركائز المهمة في أي استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
الوطن



