وزارة المالية تمهد لإصدار أول صكوك سيادية في سوريا.. ماذا يعني ذلك؟

في تحول نوعي يبعث برسائل اقتصادية قوية إلى الداخل والخارج، باشرت وزارة المالية السورية رسمياً التحضير لإصدار أول صكوك سيادية في تاريخ البلاد. هذه الخطوة التي تأتي تنفيذاً لنص صريح في الموازنة العامة لعام 2026، ليست مجرد إجراء روتيني لسد العجز، بل هي إعلان عن دخول سوريا عصراً جديداً من أدوات التمويل غير التقليدية، والابتعاد التدريجي عن سياسات التمويل التضخمية التي أثقلت كاهل الليرة السورية لعقود.
اجتماع اللجنة العليا.. تفاصيل التحضير لأول إصدار
ترأس وزير المالية، محمد يسر برنية، اجتماع لجنة الأوراق المالية والصكوك السيادية، حيث جرى بحث الخطة الاستراتيجية المتكاملة لإطلاق هذه الأدوات التي تشمل:
- أذون الخزانة (للفترات القصيرة).
- سندات الخزانة (للفترات المتوسطة والطويلة).
- الصكوك السيادية (كأداة تمويل استثمارية متوافقة مع الشريعة).
وشدد الوزير على أن هذه الخطة ليست مجرد إجراء تنفيذي، بل هي “سلعة عامة” تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني بكافة مكوناته، بدءاً من المصارف وصولاً إلى المواطن العادي الذي سيجد أمامه وعاء ادخارياً جديداً.
ما سر اختيار “الصكوك” بدلاً من السندات التقليدية؟
ربما يتساءل القارئ: ولماذا الصكوك وليست السندات الحكومية العادية؟
الإجابة تكمن في طبيعة هذه الأداة المالية التي تمثل نقلة نوعية في الفكر التمويلي للحكومة السورية. فالصكوك السيادية ليست ديوناً بفائدة ثابتة، بل هي حصص ملكية في مشاريع أو أصول أو منافع حقيقية، وعوائدها مرتبطة بأداء هذه الأصول وليس بسعر فائدة محدد. وهذا ما يجعلها:
- متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، ما يفتح الباب أمام شريحة واسعة من المستثمرين المحليين والعرب الذين يفضلون أدوات الاستثمار المتوافقة مع الضوابط الشرعية.
- أقل تضخماً من طباعة النقود، لأنها تجلب سيولة حقيقية مقابل أصول ملموسة.
كيف سيغير هذا القرار شكل الاقتصاد السوري؟
تراهن وزارة المالية على أن إدخال الصكوك سيحدث زلزالاً إيجابياً في ثلاث مناطق رئيسية:
أولاً: تمويل العجز دون “ضغوط تضخمية”
بدلاً من أن تلجأ الحكومة إلى البنك المركزي لطباعة النقود لسد العجز (ما يؤدي إلى انهيار قيمة العملة)، ستلجأ إلى السوق المالية لجذب السيولة الموجودة لدى المصارف والشركات والأفراد، مما يخفف الضغط على الليرة السورية ويعزز استقرارها النسبي.
ثانياً: بناء “منحنى عائد مرجعي” للسوق المالية
الوزير برنية أوضح أن الهدف لا يتوقف عند التمويل بل يمتد إلى بناء منحنى عائد مرجعي للأوراق المالية الحكومية، وهو ما يعني وجود مؤشر واضح لتسعير الأدوات المالية الأخرى في السوق، مما يمنح المصارف والمؤسسات المالية أساساً علمياً لتسعير قروضها ومنتجاتها الاستثمارية.
ثالثاً: تعزيز أدوات السياسة النقدية
سيحصل مصرف سوريا المركزي، بموجب هذه الخطوة، على أداة جديدة وفعالة لإدارة السيولة في السوق، عبر عمليات السوق المفتوحة (بيع وشراء هذه الصكوك)، مما يمنحه قدرة أكبر على التحكم بالتضخم وأسعار الفائدة.
التحدي الأكبر: هل سيقبل المستثمرون بالخطوة الأولى؟
رغم التفاؤل الرسمي، فإن نجاح أول إصدار للصكوك السيادية في سوريا سيتوقف على ثلاثة عوامل أساسية:
- الأطر التشريعية والتنظيمية: هل تم إعداد القوانين الكافية لحماية حقوق حاملي الصكوك وضمان الشفافية؟
- ثقة المستثمرين: في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، هل سيقبل المصرفيون ورجال الأعمال السوريون بشراء هذه الصكوك، أم سينتظرون لتقييم التجربة؟
- الاستقرار المالي: قدرة الحكومة على إدارة ديونها المستقبلية وضمان عدم تحول الصكوك إلى أداة تمويل ترهن إيرادات الدولة.
بوابة الإصلاح المالي أم مجرد تجربة؟
ما قامت به وزارة المالية ليس مجرد إجراء فني، بل هو إعلان نوايا نحو الاستدامة المالية، وهي فلسفة تهدف إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الحالية والمستقبلية دون تحميل الأجيال القادمة أعباء ديون طائلة.
إذا نجحت هذه التجربة، فستكون سوريا قد وضعت حجر الأساس لسوق مالية حقيقية، وجذبت شريحة جديدة من المستثمرين، وخلقت بديلاً عن التضخم الجامح. أما إذا لم تنجح، فستظل مجرد محاولة في زمن العسر الاقتصادي. ولكن الأكيد أن الشجاعة في اتخاذ هذه الخطوة تستحق الإشادة، فالتغيير يبدأ أولاً بتجربة الأدوات الجديدة.
شبكة شام



