عبد الحميد العواك يفوز برئاسة مجلس الشعب السوري.. من هو وما أبرز أفكاره؟

أعلن رئيس السن النائب أسامة العساف، الأحد، نتائج التصويت لاختيار رئيس مجلس الشعب السوري، بعد إغلاق باب الترشح، لتُسدل الستار على أول استحقاق برلماني في سوريا ما بعد التحرير. وأسفرت الانتخابات عن فوز النائب عبد الحميد العواك بمنصب أول رئيس لمجلس الشعب في المرحلة الجديدة، في مشهد حمل دلالات سياسية ودستورية عميقة.
نتائج التصويت: فوز العواك بفارق واضح
حصل عبد الحميد العواك على 99 صوتاً من أصل 206 أصوات، متقدماً على منافسيه في جولة الانتخابات، حيث نال النائب مؤيد قبلاوي 75 صوتاً، بينما حصل النائب رامز كورج على 31 صوتاً. وشهدت العملية تسجيل ورقة بيضاء واحدة، ليصبح عدد الأصوات الصحيحة 205 أصوات، مقابل ورقة واحدة غير محتسبة.
وجرت عملية الاقتراع بحضور كامل أعضاء المجلس، في مشهد يعكس بداية مرحلة برلمانية جديدة، بعد عقود من غياب التداول المؤسسي الحقيقي على رأس السلطة التشريعية.
من هو عبد الحميد العواك؟ مسيرة قضائية وأكاديمية مميزة
ينتمي عبد الحميد العواك إلى حي غويران في مدينة الحسكة، حيث درس الحقوق في جامعة حلب، ثم بدأ مسيرته المهنية في مديرية حوض دجلة والخابور ضمن الشؤون القانونية، قبل أن ينتقل إلى القضاء عام 1998، حيث عمل قاضياً لمدة 16 عاماً.
لم تقف رحلته عند حدود الممارسة القضائية، بل واصل دراساته العليا في لبنان، فنال درجة الدكتوراه من جامعة بيروت العربية، في أطروحة تناولت أثر الثورات العربية في المركز القانوني لرئيس الجمهورية، مع تركيز خاص على تجربتي تونس ومصر.
مواقف ثابتة: رفض توقيف المتظاهرين واعتزال القضاء
في عام 2014، غادر العواك سوريا بعد استدعائه من جهاز أمن الدولة، بسبب مواقفه المؤيدة للثورة. وخلال عمله القضائي، رفض توقيف المتظاهرين الذين أحيلوا إليه، وأصدر قرارات براءة بحقهم، كما تدخل لدى قضاة آخرين للإفراج عن موقوفين على خلفية مشاركتهم في الاحتجاجات الشعبية.
استقر بعدها في تركيا، حيث بدأ التدريس الأكاديمي عام 2016 في كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ماردين، وانخرط في تدريب أعضاء اللجنة الدستورية التابعة للمعارضة، وأعد دراسات معمقة حول الدستور والعقد الاجتماعي المقبل في سوريا، إلى جانب مشاركته في صياغة الإعلان الدستوري السوري.
رؤية دستورية وسياسية: بين الشرعية الثورية ودولة القانون
يرى العواك أن الشرعية الثورية تمنح المواطنين الحق في مقاومة الاستبداد حين تُغلق السلطة جميع أبواب التغيير السلمي، لكنها لا تبرر الاعتداء على الناس أو ممتلكاتهم. ويؤكد أن هذه الشرعية تنتهي مع صدور الإعلان الدستوري، وبدء العودة إلى مؤسسات القانون.
ويفرق بوضوح بين الإعلان الدستوري والدستور الدائم، معتبراً أن الأول وثيقة مؤقتة تفرضها ضرورة تنظيم السلطات خلال المرحلة الانتقالية، بينما يستوجب الثاني مشاركة شعبية واسعة، إما عبر هيئة تأسيسية منتخبة، أو لجنة فنية تعرض مشروعها على الاستفتاء الشعبي.
الدولة المدنية: رفض المحاصصة ومساواة المواطنين
يدعو عبد الحميد العواك إلى بناء دولة مواطنة تقوم على المساواة والكفاءة، ويرفض نظام المحاصصة الطائفية أو القومية، معتبراً أنها لا تعني مساواة حقيقية، بل تربط حصة كل جماعة بحجمها العددي، وتكرس الانقسام بدلاً من تجاوزه.
ويقر بأن اشتراط أن يكون رئيس الدولة مسلماً يتعارض مع مبدأ المواطنة الكاملة، لكنه يرى أن لجنة الإعلان الدستوري لم تملك الشرعية الكافية لتغيير هذه المادة التي استمرت في الدساتير السورية لعقود، ويقترح ترك هذه القضية للحوار المجتمعي الواسع خلال مرحلة صياغة الدستور الدائم.
الفصل بين السلطات: ضرورة ملحّة لمنع الاستبداد
يدافع العواك بقوة عن الفصل بين السلطات، ويرى أن حصر السلطة التنفيذية برئيس الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية هو إجراء مؤقت يهدف إلى تمكين الجهاز التنفيذي من اتخاذ القرارات بسرعة، لكنه يشدد على ضرورة منعه من التشريع أو التدخل في عمل البرلمان والقضاء.
ويؤكد أن تعيين مجلس الشعب والمحكمة الدستورية جاء نتيجة غياب الظروف الملائمة لإجراء انتخابات عامة، لكنه يحذّر من استمرار هذه الترتيبات بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، داعياً إلى الانتقال العاجل إلى مؤسسات منتخبة بالكامل.
ثورة تشريعية وإصلاح القضاء
يطالب رئيس مجلس الشعب السوري الجديد بتنفيذ ما يصفه بـ “ثورة تشريعية” تشمل مراجعة القوانين القديمة، وإلغاء التشريعات التي قيدت الحريات، وإعادة تنظيم قطاعات القضاء والإدارة والعقارات على أسس قانونية حديثة. ويشدد على ضرورة منع المحاكم الاستثنائية، وإحالة جميع المواطنين إلى القضاء العادي، بعدما استخدم النظام المخلوع المحاكم العسكرية ومحاكم الإرهاب وأمن الدولة لقمع المعارضين.
كما يرى أن إدراج الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان ضمن المنظومة الدستورية هو أحد أهم مكاسب الإعلان الدستوري، لأنه يلزم السلطات باحترام الحقوق والحريات الواردة فيها.
العدالة الانتقالية: محاسبة لا انتقام
يدعو العواك إلى تطبيق العدالة الانتقالية عبر هيئة تشاركية تستمع إلى الضحايا وتحدد آليات المحاسبة والتعويض وجبر الضرر، مع التأكيد على أن هذه العملية تحتاج إلى قانون تفصيلي ينظم عملها ويمنع تحولها إلى أداة انتقامية أو محكمة استثنائية.
تفاؤل حذر ومستقبل بين أيدي الشعب
يصف عبد الحميد العواك نظرته إلى مستقبل سوريا بأنها تفاؤل بحذر، مؤكداً أن الشعب الذي أسقط نظام الأسد قادر على تجاوز الصعوبات المقبلة، لكنه يحتاج إلى مؤسسات قوية، ووعي شعبي، ومشاركة واسعة لحماية المرحلة الانتقالية ومنع عودة الاستبداد. ويبقى السؤال: هل ينجح رئيس مجلس الشعب السوري الجديد في تحويل هذه الرؤى إلى واقع تشريعي وممارسة فعلية، أم تظل حبيسة الطموحات الأكاديمية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
تلفزيون سوريا



