اتفاق مائي سوري ـ عراقي .. هل ينجح بالضغط على تركيا؟

في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها المنطقة بسبب تراجع الموارد المائية، اتفقت سورية والعراق على توسيع التعاون المشترك في ملف نهر الفرات، مع التوجه لإحياء اللجنة الفنية الثلاثية التي تضم تركيا، بهدف تحسين إدارة المياه ومعالجة أزمة انخفاض التدفقات.
ويأتي هذا التحرك في وقت ما تزال فيه آثار الجفاف الممتد والفيضانات التي شهدها حوض الفرات خلال الفترة الأخيرة تلقي بظلالها على الواقع المائي والزراعي في البلدين، ما يجعل التنسيق الإقليمي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وبحسب محضر الاجتماع الفني الذي استضافته بغداد بين 22 و25 حزيران/يونيو 2026، بمشاركة وفدين من وزارة الموارد المائية العراقية ووزارة الطاقة السورية، اتفق الجانبان على مواصلة تبادل البيانات الهيدرولوجية الخاصة بنهر الفرات بصورة منتظمة، إلى جانب تعزيز التعاون الفني والعمل على إعادة تفعيل اللجنة المشتركة التي تجمع سورية والعراق وتركيا.
كما تضمن الاتفاق التنسيق مع الجانب التركي لعقد اجتماع ثلاثي خلال المرحلة المقبلة، لبحث ملف الإطلاقات المائية، وتحسين نوعية المياه، ومناقشة التحديات المشتركة المتعلقة بإدارة الموارد المائية، مع التأكيد على أن اللجنة الثلاثية تمثل الإطار الأساسي لمعالجة القضايا المرتبطة بتدفقات الفرات بين الدول الثلاث.


وشملت التفاهمات أيضاً دراسة إنشاء محطة هيدرولوجية مشتركة في مدينة جرابلس، بمشاركة سورية والعراق وتركيا، إضافة إلى تطوير محطة القياس الحدودية في حصيبة بين سورية والعراق، بما يسهم في رفع دقة مراقبة التدفقات المائية وتعزيز تبادل المعلومات بشفافية أكبر.
واتفق الطرفان كذلك على إعادة تشكيل اللجان الفنية المشتركة، وإنشاء فرق متخصصة لتوحيد آليات القياس وتوثيق البيانات، وتنظيم زيارات ميدانية لمحطات الرصد والسدود في البلدين، مع الإبقاء على قنوات اتصال مباشرة لمعالجة حالات شح المياه، والتنسيق بشأن زيادة الإطلاقات عند الضرورة، إلى جانب تبادل الإنذارات الخاصة بالتغيرات الهيدرولوجية.
ولا يقتصر هذا الاتفاق على الجانب الفني فقط، بل يحمل أبعاداً سياسية أيضاً، إذ يرتبط بواحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وهو تقاسم مياه نهري الفرات ودجلة بين دول المنبع والمصب.

ويعكس الاتفاق إدراكاً مشتركاً لدى دمشق وبغداد بأن الاجتماعات الثنائية السابقة لم تكن كافية لمعالجة أصل المشكلة، في ظل ارتباط الجزء الأكبر من تدفقات الفرات بالسياسات المائية التركية وإدارة السدود داخل الأراضي التركية.
وخلال السنوات الماضية، اشتكت سورية والعراق مراراً من انخفاض كميات المياه الواصلة إليهما، وهو ما تسبب في تراجع مناسيب الأنهار والخزانات، وأثر بشكل مباشر على مياه الشرب والقطاع الزراعي وإنتاج الكهرباء، فضلاً عن ارتفاع مستويات التلوث والملوحة في أجزاء واسعة من حوض الفرات.
وأكد محضر الاجتماع أهمية التعاون مع تركيا بما يضمن الحقوق المائية المشروعة لسورية والعراق، وفق مبادئ القانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة، وهو ما يمنح التفاهمات الجديدة بعداً قانونياً وسياسياً يتجاوز التنسيق الفني التقليدي.
ورغم ذلك، يبقى نجاح هذه الخطوات مرهوناً بمدى استعداد أنقرة لتوسيع التعاون مع دولتي المصب، سواء عبر تبادل البيانات بصورة أكثر شفافية أو الالتزام بإطلاقات مائية مستقرة يمكن التنبؤ بها، في ظل استمرار الخلافات بشأن إدارة السدود ومستويات التدفق.
وتأتي هذه التفاهمات بعد سنوات شهدت تراجعاً كبيراً في منسوب نهر الفرات، ما أسهم في تفاقم الجفاف وانخفاض الإنتاج الزراعي واستنزاف المخزون المائي، قبل أن تتعرض مناطق واسعة من حوض النهر خلال عام 2026 لفيضانات مفاجئة كشفت تحديات جديدة في إدارة الموارد المائية.
وأعادت تلك الفيضانات فتح النقاش حول ضرورة تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحسين إدارة السدود وشبكات الرصد، وهي ملفات حضرت ضمن بنود الاتفاق بين دمشق وبغداد.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا التعاون سيقاس بقدرته على الانتقال من مرحلة الاجتماعات الفنية إلى إجراءات عملية تنعكس على الأمن المائي في البلدين، خاصة أن جوهر الأزمة لا يزال مرتبطاً باستقرار وحجم التدفقات القادمة من تركيا.
“الحل”



