الاخبار

هل تعتزم بغداد الاعتماد الكامل على سوريا في تصدير النفط؟

مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وحرمان العراق من أكثر من 90% من منافذه التصديرية، تحرك قطاع النفط العراقي بسرعة غير مسبوقة نحو خيارات بديلة كانت مهملة لعقود. اليوم، يعاد اكتشاف الطرق البرية القديمة التي تمر عبر الأراضي السورية، ليس فقط كحل طارئ، بل كركيزة استراتيجية مستقبلية تقلل من هشاشة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد على ممر مائي واحد. فبينما تتدفق الصهاريج نحو ميناء بانياس، يطرح الخبراء سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكون هذا المسار بداية تحول حقيقي في خريطة الطاقة الإقليمية، أم مجرد مسكن مؤقت لأزمة وجودية؟

ماذا يحدث عندما يغلق هرمز؟ خسارة 3.5 ملايين برميل يومياً
يعتمد العراق بشكل شبه كامل على مضيق هرمز لتصدير نفطه الخام، حيث كان يمر عبره نحو 3.4 مليون برميل يومياً من إجمالي صادرات بلغت 3.57 مليون برميل خلال فبراير الماضي. مع إغلاق المضيق فعلياً في 8 مارس، تجمدت هذه الكميات، مما أوقف التدفقات النقدية التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة. هذا التوقف القسري لم يعطل الإيرادات فحسب، بل تسبب بامتلاء خزانات التخزين بسرعة، مما اضطر الحكومة إلى تقليص الإنتاج إلى نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وخسارة ضغط مكمني قد يكلف إعادة استعادته مليارات الدولارات. بهذا المعنى، أصبح أمن الطاقة بالنسبة للعراق مرتبطاً بحلول بديلة لم تكن في الحسبان قبل الأزمة .

خطة الطوارئ: تعزيز خط جيهان وتجربة الطريق السوري
في ظل هذه الضائقة، تحركت الحكومة على محورين رئيسيين:

المحور الأول: استئناف التصدير عبر إقليم كردستان نحو ميناء جيهان التركي، بمعدل يتراوح حالياً بين 150 ألف و200 ألف برميل يومياً، مع خطة طموحة لرفع هذه الكمية إلى 300 ألف برميل، ثم العودة تدريجياً إلى السعة القصوى البالغة 1.6 مليون برميل يومياً عبر خط الأنابيب المزدوج. لكن هناك عقدة أساسية تتمثل بانتهاء الاتفاقية المنظمة لتصدير النفط عبر تركيا في 27 يوليو 2026، ورفض أنقرة تمديدها، مع اقتراحها اتفاقاً جديداً قد يغير طبيعة العلاقة النفطية بين البلدين .

المحور الثاني (والأكثر إلحاحاً): فتح مسار بري عبر سوريا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط. بدأت التجربة بنقل 50 ألف برميل يومياً من خام البصرة الثقيل بواسطة شاحنات صهريجية، وهي كمية تبدو متواضعة مقارنة بحجم الاحتياج، لكنها خطوة أولى حاسمة لتصريف الفائض والتخفيف من اختناقات المصافي. ومع زيادة عدد الشاحنات التي تصل إلى 900 شاحنة يومياً، توسعت الصادرات لتشمل زيت الوقود والنافتا، مع خطط لافتتاح مرافق إضافية في الميناء لتعزيز الاستيعاب .

لماذا سوريا؟ بين الفرصة الاقتصادية والتحديات اللوجستية
الخيار السوري ليس وليد اللحظة؛ إنه إحياء لخط أنابيب كركوك-بانياس القديم الذي يعود تاريخ تشغيله إلى عام 1952 بطول 800 كيلومتر وسعة تصميمية تصل إلى 300 ألف برميل يومياً، لكنه توقف عن العمل منذ 2003 وتعرض لأضرار جسيمة وإهمال شديد، ما يجعل إعادة تأهيله مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً. لذا لجأت بغداد إلى الحل الأسرع وهو الصهاريج، ورغم أنه يمنح العراق منفذاً بديلاً ويوفر لسوريا رسوم عبور مهمة تعزز اقتصادها المنهك، إلا أنه يواجه عقبات جمة: الطرق السورية المتضررة، طوابير الشاحنات التي تمتد لأكثر من 30 كيلومتراً، الحوادث العرضية، والاعتراضات الشعبية التي توقف الناقلين أحياناً .

مستقبل التعاون النفطي.. خطوط الأنابيب بديل الحلول المؤقتة
على المدى القصير، تظل الصهاريج حلاً مؤقتاً ومكلفاً، لكن التحديات الأمنية واللوجستية جعلت الوزارة والمسؤولين يصرون على أن الحل الأمثل والوحيد طويل الأمد هو إنشاء خطوط أنابيب جديدة أو إعادة تأهيل القديمة. فالخبراء يرون أن هذا الممر البري، رغم حدوده، يمهد الطريق لتعاون ثنائي أوسع بين العراق وسوريا، يعيد تشغيل مشاريع البنية التحتية للطاقة ويعزز العلاقات الاقتصادية. كما أن إعادة فتح هذا الطريق، ولو بالشاحنات، يمنح العراق مرونة أكبر في إدارة أزماته المستقبلية، خصوصاً أن إستراتيجيته الجديدة تقضي بالاستمرار بتنويع المنافذ حتى بعد عودة هرمز، لئلا تتكرر تجربة الانقطاع التي كادت أن تطيح باقتصاده بالكامل .

دروس مستفادة من أزمة هرمز
ما شهده العراق في الأشهر الماضية هو اختبار حقيقي لصلابة بنيته التحتية النفطية ومرونته الاقتصادية. الأزمة كشفت حجم الاعتماد المفرط على ممر واحد، ودفعت بغداد إلى إعادة حساباتها بسرعة، ولو عبر حلول مؤقتة. الطريق البري نحو سوريا، مهما كانت تحدياته، يقدم الآن منفذاً حيوياً يمنح العراق هامشاً للتنفس، ويمثل خطوة عملية نحو بناء هيكل تصديري أكثر تنوعاً. وبينما تستمر المحادثات مع أنقرة لإنقاذ خط جيهان، ومع دمشق لتطوير طريق بانياس، يبقى الرهان الأكبر على الإرادة السياسية لتحويل هذه الحلول الطارئة إلى مشاريع استراتيجية دائمة تضمن أمن الطاقة العراقي وتحرره من تهديدات المستقبل المجهولة في مضيق هرمز.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى