محردة : حلقة جديدة ضمن سلسلة منع الكحول في سورية

عاد ملف المشروبات الكحولية إلى واجهة الجدل في سورية، بعدما أصدر مجلس مدينة محردة، ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، قراراً يمنع تقديم المشروبات الروحية داخل الكافيتريات، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن مستقبل الحريات الشخصية والدينية، ومسار السياسات الحكومية المتعلقة بهذا القطاع.

ويأتي القرار بعد أشهر من إجراءات مماثلة شهدتها مناطق أخرى، منذ تولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع السلطة، شملت وقف استيراد المشروبات الكحولية وفرض قيود على بيعها وتقديمها في عدد من المنشآت.
إنذار رسمي لأصحاب الكافيتريات
وبحسب وثيقة صادرة عن مجلس مدينة محردة بتاريخ 5 تموز/يوليو 2026، طُلب من أصحاب الكافيتريات الالتزام بطبيعة نشاط منشآتهم، والاكتفاء بتقديم المشروبات الساخنة والباردة، مع الامتناع عن تقديم المشروبات الروحية، تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وحمل الإنذار توقيع رئيس مجلس المدينة يوسف بيطار، من دون أن يتضمن تفاصيل بشأن العقوبات المترتبة على المخالفة أو الأساس القانوني الذي استند إليه القرار.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأنها صدرت في مدينة تُعد من أبرز التجمعات المسيحية في سورية، إذ يشكل الروم الأرثوذكس غالبية سكانها، وتضم عدداً من الكنائس والمؤسسات الدينية التي لعبت دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والثقافية للمنطقة.
سلسلة إجراءات منذ عام 2025
ويأتي قرار محردة امتداداً لإجراءات اتخذتها السلطات خلال العامين الماضيين لتنظيم قطاع المشروبات الكحولية.
ففي كانون الثاني/يناير 2025، أوقفت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية استيراد المشروبات الكحولية ضمن قائمة السلع الممنوع استيرادها، الأمر الذي أدى إلى توقف دخول المنتجات الأجنبية الجديدة مع استمرار تداول الكميات الموجودة في الأسواق والمنتجات المحلية.

كما أثار قرار أصدرته وزارة السياحة في العام نفسه جدلاً واسعاً بعدما فرض ضوابط جديدة على تقديم المشروبات الكحولية داخل المنشآت السياحية، قبل أن تعلن الوزارة لاحقاً مراجعة بعض البنود التي تعرضت لانتقادات.

وفي آذار/مارس الماضي، شهدت دمشق احتجاجات بعد قرار محلي يقضي بمنع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية داخل العاصمة، مع استثناء بعض الأحياء ذات الغالبية المسيحية.
وخلال الفترة الماضية، شهدت عدة محافظات تشديداً في شروط منح التراخيص للمنشآت التي تقدم المشروبات الكحولية، إضافة إلى إجراءات إدارية مختلفة، من دون صدور قرار حكومي شامل يحظر بيعها على مستوى البلاد.

مخاوف من اتساع القيود
وأثار القرار الجديد مخاوف لدى العاملين في القطاعين السياحي والتجاري من احتمال توسع القيود المفروضة على تجارة المشروبات الكحولية، خاصة في المدن التي تعتمد على النشاط السياحي أو تضم تجمعات اعتادت تاريخياً على تداول هذه المنتجات.
ويرى منتقدون أن الإجراءات الأخيرة تتجاوز الجانب التنظيمي، معتبرين أنها تعكس توجهاً أوسع نحو فرض قيود جديدة على بعض مظاهر الحياة العامة، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الحريات الشخصية والتنوع الاجتماعي في البلاد.
كما يعتبر آخرون أن تتابع هذه القرارات يعكس حضوراً متزايداً للاعتبارات الدينية في تنظيم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يثير قلق قطاعات مدنية وسياحية، إضافة إلى أبناء الأقليات الدينية.

مدينة ذات خصوصية دينية
وتقع مدينة محردة على بعد نحو 25 كيلومتراً شمال غربي مدينة حماة، ويُقدّر عدد سكانها قبل الحرب بما بين 25 و35 ألف نسمة، وتُعد من أبرز المدن ذات الغالبية المسيحية في سورية إلى جانب السقيلبية ووادي النصارى.
وخلال سنوات الحرب تعرضت المدينة لقصف متكرر، نظراً لقربها من مناطق شهدت مواجهات عسكرية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والمدارس والكنائس، لتتحول بالنسبة لكثير من السوريين إلى أحد أبرز رموز الوجود المسيحي في البلاد.
وتمنح هذه الخصوصية أي قرارات تمس نمط الحياة الاجتماعية في المدينة حساسية مضاعفة، خاصة عندما تتعلق بقضايا ترتبط بالعادات الاجتماعية أو الخصوصية الدينية لسكانها.
“الحل”



