“المطلوبون أصبحوا السلطة في سوريا”وقوانين الأسد ما تزال تحكم السوريين

رغم التغير السياسي الكبير الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتسلم المعارضة الحكم، لا تزال العديد من القوانين والأحكام التي وضعتها السلطة السابقة سارية في مؤسسات الدولة، ولا سيما في الجهاز القضائي الذي لم يشهد إصلاحات جوهرية حتى الآن.
هذا الواقع يطرح أسئلة قانونية وأخلاقية مهمة: هل يظل من المنطقي تطبيق قوانين صاغها نظام استبدادي فقد شرعيته؟ وهل يمكن أن تستمر هذه القوانين نفسها في التعامل مع ضحايا النظام السابق بعد رحيله؟
على مدى عقود، كانت القوانين في سوريا أداة بيد السلطة لقمع المجتمع وتصفية الخصوم السياسيين، بدلاً من أن تكون حامية لحقوق المواطنين. وبفضل القضاء الخاضع للأجهزة الأمنية، جرى اتهام آلاف السوريين بتهم مبهمة وبدون أدلة واضحة.
ومع سقوط النظام، لا تزال آلاف القضايا معلقة، وتستخدم هذه القوانين القديمة لملاحقة المنشقين والمغتربين، مما يحول القضاء إلى أداة استمرارية للظلم بدلاً من تحقيق العدالة المنشودة.
غياب إصلاحات قضائية حقيقية يعكس هشاشة المرحلة الانتقالية ويثير مخاوف بشأن استقلالية القضاء وقدرته على بناء دولة قانون تحترم العدالة والمساواة. الاستمرار في تطبيق قوانين النظام السابق دون مراجعة جذرية يعيد إنتاج القمع بغطاء قانوني جديد، ويقوض ثقة الناس بالمؤسسات.
قصص شخصية: عندما تتحول القوانين إلى سلاح ضد الضحايا
علي الأحمد، الذي انشق عن قوات النظام عام 2012 وغادر سوريا إلى تركيا، لم يتوقع أن يُستقبل عند عودته القصيرة بعد سقوط النظام كمتهم وليس كمواطن. واجه اتهامات من عدة جهات أمنية رغم براءته ووجود وثائق تثبت غيابه، ولكنه اصطدم بجهاز قضائي لم يتغير، حيث رفضت المحكمة قبول أدلته وطلبت حضوره الشخصي للتحقيق. يقول علي: “خرجت من البلاد منشقاً، وعدت زائراً، فوجدت نفسي مجرماً”.
رواد عجمية، صحفي سوري انشق عن وكالة الأنباء الرسمية “سانا” خلال الثورة، يواجه معاناة مماثلة. رغم انشقاقه لأسباب مهنية وأخلاقية، طالبه النظام بالحصول على “براءة ذمة” لتسوية وضعه القانوني، مما يضعه في موقف المتهم بدلًا من الاعتراف بدوره في كشف آلة القمع الإعلامي للنظام. يطالب رواد بمراجعة أوضاع الصحفيين المنشقين ومنحهم الاعتراف العادل لدورهم.
ملفات معلقة ومستقبل قضائي معقد
رغم نهاية حكم النظام، لا تزال ملاحقات قانونية قائمة على آلاف المواطنين، تقيّد حياتهم وتحد من حريتهم، خاصة أولئك الذين تعرضوا للاعتقال والملاحقات تعسفية سابقًا. مثل رهام، التي تعرضت للاعتقال والاتهامات الكيدية، ووجدت أن اسمها لا يزال على قوائم المطلوبين رغم سقوط النظام.
يؤكد المحامي عارف الشعال أن استمرار العمل بالقوانين السابقة، باستثناء بعض الاستثناءات، هو أمر متوقع في مراحل انتقالية مشابهة، لكنه يشدد على ضرورة مراجعة تلك القوانين الاستثنائية التي كانت تُستخدم كأدوات قمع. وأشار إلى إجراءات إيجابية اتخذتها الإدارة الجديدة مثل تعليق تنفيذ النشرات الشرطية ورفع حظر السفر عن ملايين المواطنين.
غير أن الشعال يشير إلى أن القضاء السوري لا يزال يعاني من نقص الاستقلال المؤسسي، إذ يبقى مجلس القضاء الأعلى تابعاً للسلطة التنفيذية، مما يعطل بناء نظام قضائي شفاف وعادل. ويؤكد أن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية مرهون بتشكيل مجلس تشريعي يملك صلاحيات إصدار القوانين الضرورية.


