اخبار سريعة

سوريا وفرنسا تتفقان على إعادة تعيين سفيريهما بعد قطيعة دبلوماسية استمرت أكثر من عقد

في تطور دبلوماسي مفاجئ حمل أبعاداً استراتيجية عميقة، أعلن الرئيسان السوري أحمد الشرع والفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، عن الاتفاق على إعادة تعيين سفيري البلدين بعد انقطاع دبلوماسي استمر لأكثر من عقد من الزمن، في خطوة تعكس تقدماً ملموساً في مسار استعادة العلاقات بين دمشق وباريس إلى مجراها الطبيعي.

وجاء هذا الإعلان خلال مؤتمر صحفي مشترك عُقد في العاصمة السورية، عقب مباحثات مطوّلة وشهدت توقيع حزمة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات استثمارية حيوية، تركّز بشكل خاص على دعم عملية إعادة الإعمار في سوريا، التي أنهكتها سنوات النزاع الطويلة.

الشرع: “زيارة ماكرون علامة تاريخية فارقة”
وبلهجة حملت تفاؤلاً حذراً، قال الرئيس السوري أحمد الشرع مخاطباً الحضور:

“يسعدني أن أعلن اليوم عن بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة”.

وأضاف الشرع واصفاً الزيارة بأنها “علامة تاريخية فارقة”، كونها الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ 18 عاماً، مؤكداً أنها تُتوّج مساراً من العمل المشترك الهادئ والعميق بين البلدين، الذي ظل بعيداً عن الأضواء لفترة طويلة.

وشدّد الشرع على أن سوريا تفتح أبوابها اليوم بشراكة متكافئة، معتبراً أنها “جسر تواصل حيوي لا غنى عنه بين الشرق والغرب”، موضحاً أن ما يُؤسَّس له ليس مجرد علاقات شكلية، بل شراكة تبنى على مشاريع ملموسة تخدم الشعبين، وقد أثمرت النقاشات عن “رزمة استراتيجية من الاتفاقيات والعقود مع كبرى الشركات الفرنسية”، دون أن يقدّم تفاصيل إضافية حول حجم هذه العقود أو طبيعتها.

الموقف من إسرائيل.. إدانة مشتركة ورفض للانتهاكات
وفي شأن المنطقة الساخن، لم يتردّد الرئيس الشرع في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة التي وصفها بأنها “تقوّض أمن المنطقة”، مشدداً على موقف سوريا الثابت بضرورة إلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب الكامل من المناطق التي احتلتها بعد 8 ديسمبر 2024، في إشارة إلى التحركات الإسرائيلية الأخيرة في الجنوب السوري.

كما ربط الشرع استقرار سوريا باستقرار لبنان، مشيراً إلى تقاطع المقاربات بين البلدين حول دعم استقرار لبنان وسيادة مؤسساته، مع التأكيد على ضرورة بسط سلطة الدولة واحتكارها الشرعي للسلاح كضامن وحيد للأمن الوطني اللبناني، في رسالة واضحة إلى الأطراف اللبنانية المختلفة.

ماكرون: “رفض التقسيم ودعم سوريا موحدة ذات سيادة”
من جانبه، بدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر وضوحاً في خطابه السياسي، إذ أشاد بالشعب السوري “الذي أظهر للعالم أنه موحّد ولا يُقهر”، مؤكداً التزام بلاده بسوريا حرة وذات سيادة، مع الحفاظ على وحدة أراضيها واستقرارها.

وقال ماكرون خلال المؤتمر الصحفي:

“أرفض كل دعوات التقسيم، وأدعم وحدة سوريا واستقرارها بكل مكوناتها. دولة القانون هي وحدها التي تسمح ببناء سوريا جديدة، ولا بد من سيطرة الدولة السورية على كل أراضيها”.

وفي بُعد اقتصادي لافت، أشار ماكرون إلى أن فرنسا “تؤمن بعودة سوريا كدولة تقع في قلب ممرات الطاقة، ولنا مصلحة في إعادة تأهيل البنى التحتية في مجال النفط والتجارة”، مما يفتح الباب أمام شراكات اقتصادية واسعة في المرحلة المقبلة.

التعاون الأمني والدولي.. باريس تمد يد العون
ولم تقتصر زيارة ماكرون على الجانب السياسي والاقتصادي، بل امتدت إلى ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب، حيث أعرب عن استعداد بلاده للمساعدة في هذا المجال عبر تعزيز القدرات والتدريب والتمكين، إلى جانب دعم سوريا في المحافل الدولية ومساعدتها في إعادة الإعمار خلال المرحلة الحالية.

وجاء هذا الطرح ليترجم ما كان قد أشار إليه ماكرون سابقاً حول دراسة إرسال قوات خاصة فرنسية لدعم جهود مكافحة الإرهاب في سوريا، مما يعكس تحولاً في الموقف الفرنسي تجاه الملف السوري.

رسائل حازمة لإسرائيل.. “لا ازدواجية في المعايير”
وفي جزء حسّاس من المؤتمر، جدّد ماكرون إدانته لكل انتهاكات السيادة التي تقوم بها إسرائيل، مؤكداً بشكل قاطع:

“ليس من حق إسرائيل انتهاك سيادة وأمن الدول المجاورة. الاستقرار في المنطقة وسلامة الدول نُطبّقها في كل الدول، منها سوريا ولبنان وفلسطين، ولا يوجد لدينا ازدواجية في المعايير”.

وشدّد ماكرون على أن “سوريا دولة ذات سيادة، ويجب أن ينسحب كل من يحتل الأراضي السورية”، في موقف يعكس تحولاً ملحوظاً في الخطاب الغربي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.

واختتم الرئيس الفرنسي كلمته بالتأكيد على أن قرار تبادل السفراء يهدف إلى بناء شراكة جديدة بين البلدين، معرباً عن احترامه وتقديره للشعب السوري “الذي ناضل 14 عاماً من أجل حريته واستعادتها”، في كلمة حملت نبرة عاطفية تجاه ما مرّت به سوريا خلال عقد من الصراع.

زيارة تحمل رسائل متعددة
يُذكر أن ماكرون وصل برفقة وفد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين إلى دمشق مساء الاثنين الماضي، في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس دولة غربية إلى سوريا منذ تولّي أحمد الشرع السلطة في أواخر عام 2024.

وفي مستهل زيارته، أكد ماكرون أنه جاء للتأكيد على “التزام فرنسا بدعم الشعب السوري في إقامة سوريا موحّدة ذات سيادة، ستتمسك بالتعددية والسلام مع جيرانها”، مما يضع الزيارة في إطار أوسع من مجرد تبادل دبلوماسي، ليصبح مبعث رسالة سياسية تجاه المنطقة والعالم.

روسيا اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى