الاخبار

ما مصير ضباط جيش نظام الأسد في روسيا؟

انقطع بث التلفزيون السوري فجأة، وظهرت عبارة كتب فيها “انتصار الثورة السورية العظيمة، وإسقاط الأسد المجرم”، هذا ما حدث فجر يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 عقب اقتحام الثوار مبنى الإذاعة والتلفزيون حيث تلوا بيان انتصار الثورة ليحسم جدل غياب الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وهروبه خارج البلاد، وعاشت العاصمة ساعات طويلة في الليلة ذاتها حال فوضى عارمة وكأنها أشبه بروح تنازع للبقاء بعد حكم عائلة دام أكثر من نصف قرن.

في تلك الليلة شاهد الناس كيف خلع العسكريون من ضباط وجنود بزاتهم وألقوا سلاحهم الفردي في ساحة الأموين بقلب دمشق، وارتدوا اللباس المدني تاركين أماكنهم للمجهول، تخلوا عن أسلحتهم الثقيلة، وتناثر من كان في ريف العاصمة بأرجاء البراري، سبقهم إلى ذلك جميع الجنود على امتداد الخط الواصل من حلب شمالاً مروراً بحماة وحمص حين دخلت قوات “ردع العدوان”، ونجحت بإسقاط تلك المدن خلال أقل من أسبوع.

انسحاب كيفي
على الرغم من حال المفاجأة التي أصابت جيش النظام المخلوع، وبخاصة مع تقدم قوات المعارضة، انتاب هذا الجيش حال من الشعور بتخلي كبار قادة الجيش عنهم، وباتت القيادات في الصفوف الخلفية تنهار بصورة متسارعة، وسرى حينها بين العسكريين ما أطلق عليه “الانسحاب الكيفي” وعبارة عن ترك المقرات والخروج منها.

في الأثناء وعلى طول الطريق السريع بين حلب ودمشق، ومع استكمال عمليات التحرير خرجت أفواج من الجنود المشتتين في فوضى عارمة يهرعون إلى السيارات والمركبات لتقلهم إلى بيوتهم وقراهم، في وقت توزعت آليات ثقيلة كالدبابات ومنصات إطلاق الصواريخ المحترقة على طول هذا الطريق، وبدت مهجورة ومتروكة بالعراء.

هذا المشهد العابر يحيلنا إلى تساؤلات: أين ذهب جيش ضخم بالعتاد والعديد وكيف تبخّرت قدراته خلال أيام قليلة؟ وتتضح الإجابة مع مرور الوقت، إذ عمد الجنود والضباط، لا سيما نسبة غير محددة من الضباط القادة، إلى البقاء بعدما عجزوا عن السفر، وتفضيل الجلوس إلى جانب عائلاتهم، ومنهم من توزع في أصقاع الأرض بعدما أعطت غرفة العمليات العسكرية لعملية “ردع العدوان” الأمان على أرواحهم في حال لم يحملوا السلاح.

واحتمى معظم الجنود بأعالي الجبال الوعرة في الساحل السوري، أو بمناطق خارج سيطرة الدولة سواء في السويداء، جنوب سوريا، أو في شمال شرقي البلاد، بينما انتقل كبار القادة من الصف الأول إلى لبنان، منهم من فضّل المكوث، وآخرون اختاروا الانتقال إلى دولة الإمارات، وجزء منهم عبر الحدود العراقية.

طائرات روسية
في هذا الوقت وقبل تأكيد الكرملين وصول الرئيس المخلوع بشار الأسد وعائلته إلى موسكو، نقلت روسيا في ليلة سقوط النظام، بطائراتها الخاصة من قاعدة حميميم، بريف اللاذقية غرب سوريا (مطلة على البحر المتوسط، مساحتها 3 ملايين متر مربع، أنشئت عام 2015) كبار رجال الاستخبارات والأمن وشخصيات عسكرية مهمة، وبعد أيام من سقوط الأسد نقلت عدداً من الضباط إلى روسيا.

ونقلاً عن مصدر مطلع في موسكو، وصل حوالى 5 آلاف شخصية سياسية وعسكرية إلى روسيا حيث يعيشون في أماكن شبه مغلقة، ويخضعون لرقابة مشددة لا سيما العلماء والمهندسين منهم في مجالات الحرب الكيماوية والعلوم العسكرية الحديثة وعلماء أشرفوا على تطوير أسلحة كيماوية.

ويعيش الأسد وأفراد من عائلته، وأبرزهم شقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة (في جيش النظام المخلوع)، بالسكن في مربعات إقامة فاخرة، وفي مجمعات فندقية بأكثر الأحياء الآمنة في العاصمة الروسية موسكو لسهولة المراقبة مع تعليمات مشددة ومقيدة لحركتهم ومنعهم من الظهور الإعلامي، مقابل وضع ضباط أدنى مستوى في منشآت عسكرية قديمة بمناطق نائية داخل روسيا.

ساحات جديدة
في غضون ذلك انتشرت أخيراً أنباء عن نقل الروس مجموعات من الضباط السوريين من جيش النظام المخلوع إلى ليبيا بغية الاستفادة منهم بعمليات عابرة للحدود.

وجزم رئيس مركز “جي أس أم” للأبحاث والدراسات في موسكو آصف ملحم بعدم تأكيد هذه المعلومات أو نفيها من قبل القيادة الروسية، لكنه من الناحية النظرية لا يستبعد هذه الخطوة، مضيفاً “على الرغم من أنها حاربت في أفغانستان فترة طويلة من الزمن لكنها اعترفت بها بالنهاية، واستقبلت أعضاء من الحركة (طالبان) وقيادتها، وأزالت طالبان من قوائم الإرهاب، في السياسة الروسية توجد مصالح، والقضايا الشكلية الصورية لا أهمية لها على الإطلاق”، وكشف ملحم عن معلومات غاية في الأهمية تتعلق “بعمل ضباط في سوريا نفسها مع قوات فاغنر، اكتسبوا خبرة واسعة في حرب العصابات أو حرب المدن”.

وتحدث عن اتصالات سرية علم بها “بطرق شخصية” إذ سعت روسيا للتواصل مع “حزب الله” اللبناني. وتابع “بحسب معلوماتي كانت تريد التعلم من طريقة ’حزب الله’ بالقتال، لكن الحزب اللبناني لديه منظومة مغلقة، ولا يثق بروسيا، بينما الدولة الوحيدة التي يثق بها هي إيران، حتى إنه لا يثق في بعض السوريين”، وقال أيضاً “لا غرابة أن تعمل موسكو بالاستفادة من هؤلاء الضباط، وبخاصة أن قسماً منهم تعاون مع الجيش الروسي، وجزءاً آخر تعاون مع ’حزب الله’ للاستفادة من خبراته في كل هذه القضايا، وليس غريباً أيضاً استفادة القيادة الروسية من الخبرات الأجنبية، وهذا ما حدث في مناسبات عدة، فقد استعان بحربه في أوكرانيا بخبرات كوريا الشمالية بحرب الأنفاق والخنادق وإلى ما ذلك”.

اللغة وسر جديد
في الأثناء وفي معرض رده عن أسئلة تتعلق بالأسباب التي تدفع روسيا للاعتماد على الضابط السوري وإلى أي مدى تثق بإمكانياته؟

أجاب رئيس مركز “جي أس أم” للأبحاث والدراسات في موسكو أن الأمر يتعلق بعامل إتقان اللغة، “فجزء من الضباط يتقنون اللغة الروسية بصورة جيدة، ومنهم من درس وتعلم في روسيا عبر بعثات تعليمية وأكاديمية ودورات عسكرية متقدمة. ومن ثم فهذا عامل مهم، ومرجح بقوة في الاستفادة منهم في ساحات محددة، لا سيما في الساحة الليبية، لا سيما أن عدداً من يتقنون اللغة العربية من الروس ضعيف مقارنة بإتقان لغات أخرى مثل الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية أو حتى الصينية”.

وكشف ملحم عن معلومات تتعلق باستراتيجية عسكرية روسية في سوريا لم تبصر النور، وكانت “تتعلق بتحويل الجيش السوري السابق (المخلوع) بكامله عام 2019 إلى مجموعات تشبه مجموعات قوات فاغنر”، وبحسب التسريبات التي حصل عليها “فقد خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري في ذلك الوقت الأسد بصورة مباشرة، بأن على الجيش السوري أن يغير طريقته ويتحول من القتال بالطريقة التقليدية لمجموعات تشبه مجموعات فاغنر”.

أضاف ملحم “مع وصول كبار القادة في جيش النظام المخلوع من ذوي الخبرة في العديد من القطاعات العسكرية للعيش في روسيا، نقلت طائرات روسية شخصيات إعلامية وسياسية مؤيدة للروس في سوريا أيضاً، وكشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن نقل عشرات الضباط على دفعتين في الأقل إلى إحدى قواعدها في شمال أفريقيا من دون معرفة الوجهة النهائية. ومع هذا كله فمن الوارد أن يتحول الضباط، وبحسب التخصصات التي يتقنونها، إلى قوات خدمات عسكرية وأمنية عابرة للحدود، إما أن ترافق القوات العسكرية الروسية في نشاطها، أو تتحرك إلى القواعد الروسية وسط أنباء عن دور لها في سوريا ذاتها وهذا يتوقف على العلاقة الروسية مع سوريا الجديدة”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى