ما الملفات التي يناقشها ماكرون في زيارته إلى سورية؟

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الاثنين 6 تموز، إلى العاصمة السورية دمشق في زيارة تُعد محطة بارزة في مسار العلاقات بين البلدين، حيث كان في استقباله وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مطار دمشق، وفق ما أوردته قناة “الإخبارية” السورية.
وقبيل الزيارة، وصف الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابلة مع قناة “BFMTV” الفرنسية، زيارة نظيره الفرنسي بأنها خطوة مهمة في مسار العلاقات السورية الفرنسية، مشيرًا إلى أنها ستشهد الإعلان عن عدد من الاتفاقيات التي تشمل مجالات البنية التحتية والقطاع المالي، إلى جانب قطاعات اقتصادية أخرى.
وأكد الشرع أن فرنسا وقفت إلى جانب الشعب السوري منذ اندلاع الثورة، لافتًا إلى أن الرئيس الفرنسي تواصل مع القيادة السورية منذ مرحلة “التحرير”، كما لعبت باريس دورًا في دعم مساعي رفع العقوبات عن سوريا. وأضاف أن دمشق تمكنت خلال الأشهر الماضية من تجاوز العديد من التحديات، ونجحت في بناء علاقات متقدمة مع عدد من الدول، مشيدًا بالدور الفرنسي في تعزيز انفتاح سوريا على المجتمع الدولي.
من جهتها، أوضحت الرئاسة الفرنسية في بيان رسمي أن ماكرون سيؤكد خلال زيارته دعم بلاده لوحدة سورية، ولعملية انتقال سياسي شامل يضمن تمثيل جميع مكونات المجتمع السوري ويحفظ حقوقها وأمنها.
كما تهدف الزيارة، بحسب البيان، إلى تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، ودعم بناء سورية مستقرة تتمتع بالسيادة الكاملة.
وذكرت وكالة “فرانس برس” أن الرئيسين سيعقدان لقاءً غير رسمي مساء الاثنين، يليه الثلاثاء اجتماع رسمي يعقبه مؤتمر صحفي مشترك، مشيرة إلى أن الوفد الفرنسي يضم عددًا من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية كبرى.
ومن بين المشاركين في الوفد الاقتصادي رئيس مجلس إدارة شركة “سي إم إيه – سي جي إم” رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز” باتريك بويانيه، حيث من المنتظر أن تركز مباحثاتهم مع الجانب السوري على فرص الاستثمار في قطاعي النقل والطاقة.
الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار
تتضمن أجندة المباحثات ملفات أمنية واقتصادية متعددة، أبرزها مكافحة الإرهاب، ولا سيما تنظيم “الدولة”، إضافة إلى التعاون الأمني الإقليمي، في ظل استمرار مشاركة سورية ضمن التحالف الدولي ضد التنظيم، بحسب بيان قصر الإليزيه.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تسعى باريس إلى توسيع مساهمتها في جهود إعادة إعمار سورية من خلال تشجيع الشركات الفرنسية على الاستثمار، وإعادة تفعيل أدوات التمويل، في وقت تشير فيه البيانات الفرنسية إلى أن التبادل التجاري بين البلدين لا يزال محدودًا لكنه يشهد تحسنًا تدريجيًا.
ويتضمن برنامج الزيارة اجتماعات سياسية مع المسؤولين السوريين، ومنتدى اقتصاديًا مخصصًا لإعادة الإعمار، إضافة إلى توقيع اتفاقيات تعاون، قبل اختتام الزيارة بمؤتمر صحفي مشترك.
أول زيارة لرئيس غربي منذ سقوط نظام الأسد
تمثل زيارة ماكرون أول زيارة يقوم بها رئيس دولة غربية إلى سورية منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، كما أنها الأولى لرئيس فرنسي منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي إلى دمشق عام 2009.
وأفادت مصادر دبلوماسية فرنسية بأن الزيارة تمتد يومي 6 و7 تموز، مشيرة إلى أن الرئيس الفرنسي سيدعو إلى بناء “سوريا حرة وتعددية” تحترم جميع مكوناتها وتسهم في تخفيف التوترات في الشرق الأوسط.
وشدد قصر الإليزيه على أن فرنسا ترى أن أي شراكة مستقبلية مع سوريا يجب أن تقوم على احترام التعددية، مؤكدًا رفض استبدال أي سلطة إقصائية بأخرى.
بدوره، قال ماكرون إن زيارته تعكس التزام فرنسا بالوقوف إلى جانب الشعب السوري من أجل بناء سورية موحدة وذات سيادة، تعيش بسلام مع جيرانها، داعيًا عبر منصة “إكس” إلى فتح صفحة جديدة عنوانها الاستقرار والسلام.
رسائل سياسية واستراتيجية
وبحسب مصادر دبلوماسية فرنسية، تحمل الزيارة أبعادًا سياسية ورمزية مهمة، إذ تعكس رغبة باريس في دعم سورية الجديدة وتعزيز دورها في استقرار المنطقة، بعد سنوات من الحرب.
وأضافت المصادر أن فرنسا تسعى إلى المساهمة في ترسيخ الاستقرار الإقليمي عبر تشجيع الحوار مع مختلف الأطراف، ودعم جهود مكافحة الإرهاب، والمساعدة في تحقيق التعافي الاقتصادي والمصالحة الوطنية.
كما ترى باريس أن إعادة دمج سورية في محيطها الإقليمي قد يسهم في تحويلها إلى مركز تجاري وطاقي يربط بين أوروبا وآسيا.
وأكدت المصادر أن ماكرون سيجدد التزام بلاده بدعم وحدة سوريا، وتعزيز عملية سياسية شاملة تضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع، إلى جانب دعم إعادة الإعمار، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني والتقني والثقافي والقانوني بين البلدين.
إعادة قطع أثرية سورية
ومن المنتظر أن يحمل الرئيس الفرنسي معه 23 قطعة أثرية سورية كانت دمشق قد أعارتها إلى معهد العالم العربي في باريس عام 2010، قبل اندلاع الثورة السورية، وتعذر إعادتها خلال السنوات الماضية.
وأوضحت الرئاسة الفرنسية أن القطع ستعود إلى سوريا خلال الزيارة، فيما أكد مصدر في وزارة الثقافة السورية أنها تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، تمتد من عصور ما قبل التاريخ مرورًا بعصر البرونز، وصولًا إلى الحضارة العربية الإسلامية.
تطور العلاقات بين دمشق وباريس
شهدت العلاقات السورية الفرنسية تطورًا ملحوظًا منذ نهاية عام 2024، بعد سنوات من القطيعة السياسية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد زار باريس في أيار 2025، في أول زيارة له إلى دولة غربية، بينما سارعت فرنسا إلى إعادة تفعيل حضورها الدبلوماسي في دمشق، وأرسلت وفدًا رسميًا في كانون الأول 2024، ثم زار وزير الخارجية الفرنسي سورية مطلع عام 2025 برفقة نظيرته الألمانية.
كما دعمت باريس رفع العقوبات الاقتصادية الأوروبية عن سوريا، وسعت إلى تهيئة الظروف لعودة الاستثمارات الأجنبية.
وفي أيار 2025، وقعت الحكومة السورية عقدًا يمتد 30 عامًا مع شركة “سي إم إيه سي جي إم” لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية باستثمارات بلغت 230 مليون يورو.
وفي أيار 2026، أُعلن أيضًا عن توقيع مذكرة تفاهم بين “كونوكو فيليبس” الأميركية و”توتال إنرجيز” الفرنسية و”قطر للطاقة” لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة السوري.
عنب بلدي



