هل بدأت مصر بطرد السوريين وإجبارهم على الرحيل؟

في ظل التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة جديدة في دمشق، أثار القانون المصري الجديد المنظم لأوضاع اللاجئين، والذي صدرت لائحته التنفيذية في يونيو 2026، جدلاً واسعاً حول مصير الجالية السورية في مصر التي تجاوز عددها المليون نسمة. البعض تحدث عن “ضغوط” تدفع السوريين للرحيل، بينما يؤكد خبراء القانون والاقتصاد أن القانون ليس طردياً، بل إطار تنظيمي يستند إلى تحولات واقعية ويعكس مقاربة مصرية متوازنة بين السيادة الوطنية وحقوق الإنسان، مع فتح باب العودة الطوعية أمام من انتهت أسباب لجوئهم.
القانون الدولي يبيح إنهاء صفة اللاجئ.. متى؟
في حديث خاص لـRT، أوضح الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، أن القانون المصري الجديد يأتي في توقيت بالغ الدلالة، متزامناً مع تحولات جوهرية في المشهد السوري. وأكد أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وتحديداً في المادة الأولى الفقرة (ج)، تنص بوضوح على أن صفة اللاجئ تنتهي حين “تزول الأسباب الجوهرية” التي أدت إلى منحها، وهو ما ينطبق اليوم على السوريين بعد زوال خطر الاضطهاد الذي كان يتهددهم في ظل النظام السابق.
ويشير مهران إلى أن الفقه الدولي ومبادئ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تؤكد هذا التوجه، خصوصاً مع إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، في يناير 2026، امتنانه العميق لمصر على استضافتها، ودعوته لإطار تعاون اقتصادي وإعماري يشجع على العودة الطوعية الكريمة، مما يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين البلدين ويُسقط مبررات اللجوء السابقة.
ستة أشهر لتسوية الأوضاع: مسارات قانونية وليست طرداً
يكشف الدكتور مهران أن القانون المصري الجديد لا يفرض مغادرة فورية، بل يمنح المقيمين مهلة ستة أشهر لتسوية أوضاعهم عبر مسارات قانونية واضحة ومتعددة، تشمل:
- التسجيل الرسمي لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
- الحصول على تأشيرات دراسة أو استثمار.
- إثبات روابط أسرية تسمح بالإقامة.
ويؤكد الخبير القانوني أن هذا الإطار يعكس حرصاً مصرياً حقيقياً على التعامل مع الملف بمسؤولية ومنهجية، لا باعتبارات أمنية ضيقة، مشيداً بالنموذج المصري الذي استضاف أكثر من مليون سوري لأكثر من عقد، واصفاً إياه بـ”النموذج الإنساني العربي الرفيع” الذي يستحق التقدير الدولي.
السيادة الوطنية مقابل حقوق الإنسان: أين الحد الفاصل؟
يشدد مهران على أن تنظيم الإقامة هو حق سيادي راسخ كفله ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية، مؤكداً أن تطبيق القانون على من انتهت أسباب لجوئهم لا يتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، الذي لا يُطبَّق إلا حين يكون الخطر قائماً فعلياً. وبما أن التحولات في سوريا تتيح عودة آمنة، فإن القانون المصري يقدم نموذجاً ناضجاً يوازن بين مقتضيات السيادة وحقوق الإنسان والتحولات الجيوسياسية، معتبراً أن العودة الطوعية الكريمة هي “الحل الأمثل الذي يصب في مصلحة الجميع”.
2.5 مليون سوري بين الاستقرار في مصر والتردد في العودة
من ناحية أخرى، يقدّم الخبير الاقتصادي الدكتور عبد المنعم السيد قراءة مختلفة للواقع، مؤكداً في تصريحات لـRT أن أكثر من 2.5 مليون سوري حققوا استقراراً مالياً واجتماعياً ملحوظاً في مصر، بفضل بيئة استثمارية مستقرة وسوق استهلاكية ضخمة تتجاوز 110 ملايين نسمة، وسهولة الاندماج اللغوي والثقافي.
ويكشف السيد أن أعداد الشركات السورية المقيدة في هيئة الاستثمار المصرية تجاوزت حاجز الـ 450 ألف شركة، مما يعني أن الكثير من السوريين باتوا مستثمرين فاعلين في الاقتصاد المصري، وليسوا مجرد متلقين للمساعدات. وهذا الواقع يجعلهم يترددون في العودة الدائمة أو التخلي عن أسواقهم التي بنوها على مدى سنوات، مفضلين إدارة استثماراتهم بين البلدين بدلاً من القطع النهائي مع مصر.
مكاسب متبادلة من العودة: سيناريو “الربح للجميع”
يرى الخبير الاقتصادي أن عودة السوريين إلى بلادهم تحقق مكاسب استراتيجية لكلا البلدين:
أولاً: مكاسب لسوريا
- عودة رؤوس الأموال وأصحاب الخبرات والكفاءات.
- إعادة تشغيل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
- خلق فرص عمل تقلل من البطالة وتنعش الأسواق المحلية.
- فتح الباب أمام المقاولين والشركات المصرية للمشاركة في مشاريع الإعمار، مستفيدين من خبراتهم الضخمة في التشييد والبناء.
ثانياً: مكاسب لمصر
- تخفيف الضغط عن الخدمات العامة والسلع الأساسية المدعومة.
- تقليل التزاحم في قطاعي الصحة والتعليم.
- تخفيف الضغط على العملة الأجنبية جراء انخفاض الطلب المحلي عليها، مما يدعم الاقتصاد المصري في مواجهة تحدياته الحالية.
ويستدرك السيد أن هذه الفوائد تظل مرهونة بتحسن البيئة الأمنية والاقتصادية واستقرار سعر الصرف في سوريا، مشيراً إلى أن معظم الاستثمارات السورية في مصر تتركز في قطاعات تقليدية مثل الصناعات الغذائية والحلويات والملابس، وهي صناعات لها بدائل محلية، مما يقلل من تأثير خروجها على الاقتصاد المصري مقارنة بالمكاسب التي سيجنيها من تخفيف الضغط على موارده المحدودة.
روسيا اليوم



