لماذا تفشل 67% من العلاقات الزوجية بعد إنجاب الطفل الأول؟

يمثل انتقال الزوجين إلى مرحلة الأبوة والأمومة أحد أكثر التحولات تأثيراً في الحياة الزوجية، حيث يجد الكثيرون أنفسهم فجأة أمام واقع مختلف تماماً عما كانوا عليه قبل وصول المولود الجديد. وكشفت أبحاث علمية حديثة صادرة عن معهد “غوتمان” أن ما يقرب من 67% من الأزواج يشهدون تراجعاً ملحوظاً في مستوى الرضا عن علاقتهم خلال السنوات الثلاث الأولى بعد الولادة، في حين تمكنت نسبة 33% فقط من اجتياز هذه المرحلة الصعبة بنجاح والحفاظ على استقرار علاقتهم. فما هو السر وراء هذه الفجوة الكبيرة؟ وما هي الاستراتيجيات التي يعتمدها الأزواج الناجحون لمواجهة ضغوط الأبوة والأمومة الجديدة؟
أسباب تدهور العلاقة: الحرمان من النوم وإعادة توزيع الأدوار
يعزو الباحثون في معهد “غوتمان” هذا التدهور الواسع في العلاقات الزوجية إلى مجموعة من الضغوط التراكمية التي تتفاقم معاً لتشكل عبئاً نفسياً وجسدياً كبيراً على الطرفين. ويأتي في مقدمتها الحرمان المزمن من النوم، الذي يؤثر سلباً على الصحة النفسية والقدرة على التعاطف والتحكم بالانفعالات، إضافة إلى إعادة التفاوض غير المعلن على الأدوار والمسؤوليات، حيث يجد كل طرف نفسه مضطراً لتحمل مهام جديدة لم يكن مستعداً لها. ولا يمكن إغفال العبء الذهني الثقيل لتلبية احتياجات الرضيع، والذي يحفز استجابات البقاء البيولوجية مثل الهجوم أو الانسحاب، مما يزيد من حدة التوتر بين الشريكين ويؤدي إلى تباعد عاطفي تدريجي.
السر وراء الـ33% الناجحة: استراتيجيات تواصل قائمة على الأدلة
في المقابل، تمكنت النسبة الأقل (33%) من الأزواج من مواجهة هذه الضغوط والحفاظ على استقرار علاقاتهم، وذلك من خلال اعتماد استراتيجيات تواصل مدروسة وقائمة على الأدلة العلمية. وبحسب موقع “سايكولوجي توداي”، تعتمد هذه الفئة الناجحة بشكل أساسي على تقنية “البداية اللطيفة” في إدارة النقاشات وحل النزاعات، وهي طريقة منهجية تتضمن ثلاث خطوات رئيسية: التعبير عن المشاعر الذاتية أولاً، ثم تسمية الموقف المحدد الذي أثار هذه المشاعر، وأخيراً تحديد الاحتياج الفعلي بدقة ووضوح. هذا النهج يمنع الوقوع في الأنماط التفاعلية الدفاعية والعدائية بين الطرفين، ويفتح المجال لحوار بناء يحل المشكلات بدلاً من تضخيمها.
الاستجابة للمحاولات العاطفية اليومية.. مفتاح المرونة الزوجية
إلى جانب تقنية “البداية اللطيفة”، أظهرت البيانات أن الأزواج الأكثر مرونة واستقراراً في مرحلة الأبوة المبكرة يتميزون بقدرتهم على الاستجابة بفضول واهتمام لما يُعرف بـ”محاولات الاتصال العاطفي” اليومية، وهي الإشارات الصغيرة التي يرسلها كل طرف للآخر للتواصل والاقتراب، حتى وإن كانت عابرة وبسيطة. قد تكون هذه المحاولات على شكل نظرة حانية، أو لمسة خفيفة، أو سؤال بسيط عن اليوم، لكن الالتفات إليها والرد عليها بإيجابية يعزز الشعور بالارتباط والأمان، ويخلق مخزوناً عاطفياً إيجابياً يساعد الزوجين على تجاوز اللحظات الصعبة.
لا حاجة لتوازن مثالي.. الحوار والتعاطف هما الأساس
يؤكد الباحثون أن النجاح في تجاوز مرحلة الأبوة والأمومة الحساسة لا يتطلب تحقيق توازن مثالي ومطلق في تقسيم المهام والمسؤوليات، فذلك قد يكون حلماً بعيد المنال في ظل فوضى الحياة اليومية مع طفل رضيع. بدلاً من ذلك، يرتكز النجاح علمياً على استمرارية الحوار المشترك حول مصادر التوتر والضغط، وإظهار التعاطف المتبادل، والاعتراف الصريح بالعبء النفسي والبدني الذي يتحمله كل طرف. المفتاح هو أن يشعر كل من الزوجين بأن الطرف الآخر يرى جهوده ويقدرها، وأن هناك مساحة آمنة للتعبير عن الإرهاق والاحتياجات دون خوف من الحكم أو اللوم.
الحب موجود لكن الأدوات مفقودة.. كيف تسد الفجوة؟
تكشف النتائج العلمية أن الفجوة بين العلاقات التي تزدهر وتلك التي تواجه صعوبات في مرحلة الأبوة والأمومة لا ترتبط بمدى وجود الحب أو المشاعر بين الطرفين، بل ترتبط بشكل أساسي بمدى امتلاك الشركاء لأدوات عاطفية وعملية صحيحة تمكنهم من التكيف السريع مع المستجدات وتعزيز مرونة الروابط المشتركة. فالحب وحده لا يكفي لمواجهة تحديات الحرمان من النوم، وتضارب الأدوار، والضغوط المالية، بل يحتاج الزوجان إلى مجموعة من المهارات العملية في التواصل وحل النزاعات وإدارة الضغوط، وهي مهارات يمكن تعلمها وتطويرها بالتدريب والممارسة، مما يحول الأزمة المحتملة إلى فرصة للنمو والتقارب.
نصائح عملية للأزواج المقبلين على الأبوة
إذا كنتما تستعدان لاستقبال مولودكما الأول، أو تمران حالياً بمرحلة الأبوة المبكرة، يمكنكما الاستفادة من هذه النتائج العلمية باتخاذ خطوات عملية بسيطة لكنها مؤثرة: خصصا وقتاً منتظماً للحوار الهادئ بعيداً عن مشاغل الطفل، وتعلما تقنية “البداية اللطيفة” في النقاشات، ومارسا الاستجابة لمحاولات التواصل العاطفي اليومية، واعترفا صراحة بجهود كل منكما دون انتظار الكمال. تذكرا أن مرحلة الأبوة ليست سباقاً نحو التوازن المثالي، بل رحلة تكيف مستمرة تحتاج إلى صبر وتعاطف وحوار، وهذه الأدوات هي ما ستحمي علاقتكما من التآكل وتجعلها أقوى مع كل تحدٍ جديد.
إرم نيوز



