الاخبار

البدء بترميم المقبرة اليهودية الرئيسية في دمشق

في مشهد يعكس تحولات ما بعد عام 2025، لم تقتصر رياح التغيير التي هبت على سوريا على الجانب السياسي فحسب، بل طالت أيضاً جهود إعادة الاعتبار للتنوع الثقافي الذي تميزت به البلاد. فإلى جانب ورش الإعمار، انطلقت مؤخراً أعمال صيانة ميدانية في المقبرة اليهودية الرئيسية بالعاصمة دمشق، وهي خطوة تأتي في سياق أوسع تشهد فيه البلاد حراكاً مجتمعياً لإحياء الموروث اليهودي، تمثل في تأسيس منظمات مرخصة واستقبال وفود من أبناء الجالية القادمين من الشتات لزيارة معابدهم ومنازلهم القديمة.

وفي هذا الإطار، كشف جوزيف جاجاتي، رئيس مؤسسة “موزاييك”، في تصريح خاص لوكالة “فرانس برس”، عن مباشرة فريقه لأعمال تنظيف المقبرة الواقعة على طريق مطار دمشق الدولي، إلى جانب عمليات تدعيم فورية للقبور المتهالكة. وأضاف أن الجدول الزمني للمشروع يتضمن، خلال شهر يوليو الجاري، الشروع في ترميم السور الخارجي للموقع، مع تركيب نظام متكامل للإضاءة وكاميرات مراقبة لتعزيز حماية المكان.

تُشرف مؤسسة “موزاييك” التي تنشط بين العاصمتين دمشق وواشنطن، على هذا المشروع الطموح، مستهدفة بذلك واحدة من أبرز الجبانات اليهودية في البلاد، والتي تضم مئات القبور التي يعود تاريخ بعضها إلى عشرات السنين، محملة بشواهد تاريخية ونقوش تتنوع بين العبرية والعربية.

وفقاً لما رصدته الوكالة، قام المهندسون والعمال المتعاقدون مع المؤسسة بمعاينة ميدانية شاملة لتقييم حالة الجدران وتحديد احتياجات الصيانة العاجلة، بالتزامن مع إجراء مسح دقيق لتوزيع أعمدة الإنارة ونقاط تركيب الكاميرات الأمنية. وأوضح جاجاتي أن هذه المقبرة لم تُصب بأضرار مباشرة جراء النزاع الدائر في البلاد منذ عام 2011، مشيراً إلى أن آخر مواراة للجثمان فيها تعود إلى نحو عام ونصف فقط، لكنها ظلت شبه معزولة عن الزوار طيلة العقود الثلاثة الماضية، قبل أن تشهد عودة تدريجية لوفود اليهود السوريين المغتربين الذين بدأوا يتوافدون لتفقد ممتلكاتهم وأضرحة أسلافهم بعد المتغيرات السياسية الأخيرة.

ويعكس هذا الحراك تحولاً كبيراً في مسار الجالية، إذ تراجع عدد أبناء الطائفة المقيمين داخل سوريا بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية، متأثرين بتبعات الصراع العربي الإسرائيلي والسياسات المقيدة للحركة أيام حكم حافظ الأسد، حيث مُنعوا من السفر حتى عام 1992. وبهذا، انخفض تعدادهم من نحو خمسة آلاف شخص إلى مجرد أفراد معدودين، على لسان رئيس الطائفة الموسوية في سوريا، بيخور شامنتوب.

وفي خضم سنوات النزاع، توقفت زيارات اليهود السوريين للبلاد شبه كلياً، وأُغلقت الكنس، بل وتعرض كنيس النبي إيليا التاريخي في حي جوبر الدمشقي للنهب والخراب، رغم مكانته كوجهة دينية مميزة. غير أن مؤشرات العودة بدأت تلوح في الأفق، حيث شهد شباط 2025 إقامة أول صلاة جماعية في كنيس الإفرنج بدمشق، بمشاركة يهود من داخل البلاد وآخرين قدموا من الولايات المتحدة، وهي الصلاة الأولى من نوعها منذ أكثر من ثلاثة عقود، مما يعكس بوادر استعادة النشاط الديني تدريجياً.

تزامنت أعمال الترميم هذه مع تطورات رسمية لافتة، تمثلت في منح الحكومة السورية ترخيصاً رسمياً لأول منظمة متخصصة بحماية التراث اليهودي في البلاد، وذلك في ديسمبر 2025. وعلقت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، على هذه الخطوة معتبرةً إياها رسالة واضحة من الدولة بعدم التمييز بين أبناء الوطن الواحد، ودعماً لمشاركة الجميع في بناء مستقبل سوريا الجديد.

بدوره، أوضح الحاخام السوري الأمريكي هنري حمرا أن هذه المنظمة، التي تأسست بمبادرة من أبناء الجالية المغتربة، ستتولى مهام توثيق الأملاك اليهودية، ومتابعة استعادة الممتلكات المصادرة خلال حقبة النظام السابق، إلى جانب صيانة الكنس والمزارات اليهودية وفتحها أمام الزوار.

وكانت دمشق على موعد مع عدة زيارات وفدية خلال العام الماضي، أبرزها في فبراير بحضور الحاخام يوسف حمرا (والد هنري) والحاخام الأكبر ليهود سوريا في نيويورك، والذي غادر سوريا عام 1992 بعد رفع الحظر. كما التقت الدبلوماسية السورية بأعلى المستويات، إذ استقبل الرئيس أحمد الشرع وفداً من الجالية اليهودية السورية في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، لمناقشة أوضاعهم وإمكانية إسهامهم في مشاريع إعادة الإعمار وحماية التراث.

في موازاة ذلك، لا يزال ملف استعادة الممتلكات العقارية المصادرة يشغل حيزاً من النقاش. فقد صرح المدير التنفيذي لمنظمة “السورية للطوارئ”، معاذ مصطفى، بأنهم أحصوا عشرات المنازل في دمشق تعود ملكيتها ليهود سوريين وتم الاستيلاء عليها خلال العهد السابق، ويعملون حالياً على توثيقها ضمن مسار قانوني لإعادتها. من جانبه، أشار بيخور شامنتوب إلى نحو 30 منزلاً في حي الأمين بدمشق تم الاستيلاء عليها، وأنه خاطب الجهات المختصة للنظر في هذا الملف الشائك.

وبهذا، تُعد أعمال ترميم المقبرة اليهودية أحدث حلقة في سلسلة جهود الحفاظ على الذاكرة الجماعية لسوريا، وسط واقع يبقى فيه عدد اليهود المقيمين محدوداً للغاية، بينما يستقر معظم أبناء الطائفة اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن خيوط التواصل مع مدنهم وبيوتهم التي هجروها لا تزال متجددة عبر هذه الزيارات المتقطعة والمشاريع الرامية لحماية إرثهم الثقافي.

عنب بلدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى