الاخبار

مضاربون جُدد وسوق منفلت: من يجمع الدولار في سوريا؟

خلال بضعة أيام، انخفض سعر صرف الليرة ليصل إلى المستويات التي كان عليها قبل السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، تاريخ إطلاق «هيئة تحرير الشام» والفصائل المتحالفة معها معركتها «ردع العدوان»، ثمّ ما لبث أن عاد ليتحسّن من جديد، من دون أيّ مبرّرات اقتصادية. وأثار هذا التقلّب مخاوف السوريين من إمكانية حدوث تدهور أكبر في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما أن الأشهر القليلة الماضية شهدت ارتفاعاً شهرياً في معدّل التضخّم، قَدّرته بعض المراكز البحثية غير الرسمية بنحو 5.4% في أيار الماضي، وهو ما يعني انخفاض القوة الشرائية لدخول السوريين، سواء كانت بالليرة السورية أو بالدولار الأميركي أو غيره من العملات الأجنبية. وفيما فضّلت الجهات الرسمية الصمت حيال أسباب فقدان سعر الصرف لِما حقّقه من تحسّن خلال الأشهر التسعة عشر الماضية، فإن غالبية التحليلات التي قُدّمت على لسان بعض «الباحثين» جاءت عامّة، الأمر الذي أبقى على الغموض المسيطر على واقع سوق القطع في البلاد، منذ سقوط النظام السابق، من حيث إدارته ومصادر تمويله وحجم الطلب فيه؛ علماً أن تلك العناصر تمثّل، في الواقع، المحدّدات الأساسية لحركة سعر الصرف.

طبقة جديدة من المضاربين
تقاسَم المصرف المركزي مع بعض تجار العملة، من شركات صرافة ومضاربين، إدارة سوق القطع الأجنبي لسنوات طويلة، كان أخطرها الفترة الممتدّة بين عامَي 2011 و2016، والتي خسر فيها «المركزي» كمية كبيرة من القطع لصالح المضاربين، وذلك جرّاء تدخله المباشر في السوق تحت عناوين مختلفة. ومن ثمّ، أخذت خيوط الإمساك بالسوق، بعد عام 2020، تتجمّع في يد شخص واحد هو يسار إبراهيم. ومع سقوط النظام السابق، طرأ متغيّران أساسيان أثّرا على سوق القطع، تَمثّل أوّلهما في السماح لعموم السوريين بالتعامل بالدولار من دون أيّ قيود، مع اعتذار المصرف المركزي عن بيع أو شراء أيّ كميات منه للمواطنين مباشرة. أمّا المتغيّر الثاني، فحبس سيولة الليرة في المصارف، والتأخّر في صرف رواتب العاملين لشهرَين أو أكثر أحياناً. وهكذا، وجد الكثير من السوريين أنفسهم مضطرّين إلى تصريف مدّخراتهم أو حوالاتهم المُرسَلة إليهم بالدولار، بغية الإنفاق على احتياجاتهم اليومية.

واللافت هنا أن قنوات التصريف التي وضعت نفسها في خدمة المواطنين، لم تكن بداية الأمر كوّات المصرف المركزي أو المؤسسات المصرفية المحلية، وإنما مجموعة من الأشخاص الذين ظهروا فجأة في الشوارع الرئيسة للمدن وساحاتها العامة، فارضين سعر صرف أقلّ من السعر الرسمي، في سابقة تَحدث للمرة الأولى منذ عدّة عقود. ولعلّ أهمّ سؤالَين كانا يلحّان في تتبّع هذه الظاهرة، هما: أين تتجمّع كميات الدولار التي يجري تصريفها يومياً؟ ومن أين يحصل هؤلاء على سيولة نقدية بالليرة كافية لتصريف أيّ مبلغ مهما بلغ حجمه؟ تذهب غالبية التوقعات إلى ارتباط شبكة الصرّافين الجدد بشخصيات محسوبة على الإدارة الحالية، وهو ما يؤشر إلى صعود طبقة جديدة من تجار العملة والمضاربين، تعمل على الاستفادة من الوضع الجديد في مراكمة ثروات وأرباح كبيرة. وبالتالي، فهي تتحمّل جزءاً من المسؤولية عن الانخفاض الذي تعرّضت له الليرة في مواجهة الدولار.

طلب كبير ومنفلت
عانى سوق القطع الأجنبي، خلال الأشهر الماضية، عرضاً وطلباً، من اختلالات بنيوية واضحة أدّت إلى ضغوط متزايدة على سعر الصرف، وذلك بعد سنوات لعبت فيها الطباعة النقدية غير المُغطَّاة بإنتاج سلعي كافٍ دوراً أساسياً في انهيار العملة المحلية. وأدّت الإجراءات الحكومية في أعقاب سقوط النظام، من تحرير للتجارة وغضّ للطرف عن عمليات التهريب الواسعة، إلى حدوث زيادة كبيرة في الطلب على الدولار، في وقت حافظت فيه كمّياته المتاحة للتداول على حالها أو أنها زادت، ولكن ليس بنسبة مساوية لزيادة الطلب. وفي هذا السياق، يمكن تصنيف الطلب على القطع الأجنبي إلى خمس فئات رئيسة، تشمل أولاها الطلب لتمويل المستوردات، التي تتحدّث بعض التقديرات الدولية عن أن قيمتها خلال العام الفائت، راوحت، في حدّها الأدنى، بين 6.8 و7.2 مليارات دولار (بعض المصادر تتحدّث عن 9 مليارات دولار)، في حين أنها في السنوات الأخيرة تجاوزت بقليل عتبة 4 مليارات دولار، أي أن هناك زيادة تُراوِح نسبتها بين 70 و80%.

أمّا الفئة الثانية فتتمثّل في الطلب الذي يستهدف تمويل تكاليف السفر الخارجي لأغراض متعدّدة (سياحة، علاج، دراسة…). وبحسب بيانات «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك»، فإن عدد المغادرين للبلاد بلغ نحو 4.5 ملايين شخص في العام الماضي. وإذا اعتبرنا وسطياً أن كلّ شخص حمل معه 500 دولار فقط لتغطية نفقات سفره، فهذا يعني أن بند السفر يكلّف البلد سنوياً ما لا يقلّ عن 2.25 مليار دولار بالحدّ الأدنى.

وفي الانتقال إلى الفئة الثالثة، فتتعلّق بالطلب على القطع الأجنبي لتمويل الاحتياجات الداخلية، سواء من قِبل المؤسسات العامة والخاصة أو الأفراد. وفي هذا المجال، يُعدّ قطاع العقارات الأكثر تداولاً للدولار حالياً؛ إذ إن الكثير من عمليات بيع العقارات وتأجيرها باتت تتمّ اليوم به، إمّا لسهولة حمل المبلغ وإجراء عمليات التحويل نحو الخارج، أو خوفاً من تقلّبات سعر صرف الليرة. ووفق ما تُظهِره بيانات وزارة المالية، فإن حجم مبيعات سوق العقارات كبير جداً؛ إذ تفيد آخر البيانات المنشورة، والتي تعود إلى الربع الأول من عام 2022، بأن المعدّل الشهري لقيم عقود بيع العقارات بلغ نحو ألف مليار ليرة (أي ما يعادل 228 مليون دولار وفق متوسط سعر الصرف السائد آنذاك)، حيث تمّ توثيق بيع ما معدّله شهرياً نحو 38.7 ألف عقد بيع، ونحو 19 ألف عقد إيجار. ورغم قِدم هذه البيانات نسبياً، فإنها تعطي مؤشراً على الحجم الكبير للسوق العقاري، حتى قبل توسّع التعامل بالدولار في المرحلة الحالية.

وبالنسبة إلى الفئة الرابعة، فيشغلها المضاربون؛ وهؤلاء يمكن وصف نشاطهم بالأكثر تأثيراً على واقع سعر الصرف، منذ بداية الحرب ولغاية تاريخه، إذ كثيراً ما كان الطلب على القطع الأجنبي يزداد، في وقت لم يكن هناك ما يبرّر هذا الطلب اقتصادياً – كزيادة المستوردات مثلاً أو اقتراب موسم الحج وما إلى ذلك -. وللأسف، فإن هؤلاء، وإن تبدّلت وجهوهم وأسماؤهم، يجدون في كلّ عهد مَن يدعمهم ويحميهم ويستفيد من نشاطهم غير القانوني. ويأتي المتحوّطون في الفئة الخامسة، وهم من ذوي الدخل المحدود أو المتوسط الذين يتخوّفون من تذبذبات سعر صرف الليرة، فيقومون باستبدال مدّخراتهم بالدولار حفاظاً على بعض قوتها الشرائية، وهو ما ينطبق أيضاً على أصحاب الأجر الشهري الذين باتوا يصرّفونه بالدولار فور تسلّمه، مع أنه لا يكفي سوى لعدّة أيام. وإلى جانب الفئات الرئيسة الخمس السابقة، والتي يمكن للمؤسسات الحكومية المعنيّة قياس حجمها اعتماداً على البيانات المُتاحة لها، يمكن إضافة فئة سادسة يصعب التنبّؤ بحجمها، وتتعلّق بالعمليات غير المشروعة، من تهريب السلع والبضائع إلى الرشاوى وعمليات الابتزاز والخطف بقصد طلب الفدية وغيرها من الجرائم الاقتصادية، وهي جميعها تتمّ بالدولار حصراً.

مصادر مغذّية على حالها
هذه «الدولرة» الواضحة لنواحي الحياة العامة، قابلتها زيادة في كمّيات القطع الأجنبي الواردة إلى البلاد، لكن مع ثبات مصادره، التي يمكن إجمالها أيضاً في أربعة. ويتمثّل أوّل تلك المصادر في التحويلات الخارجية، المُقدّر حجمها بحسب تصريحات حاكم المصرف السابق، بنحو 4 مليارات دولار في العام الماضي. وفي حين تزيد هذه التحويلات بأكثر من الضعف مقارنة بنظيرتها في عام 2023، فإن بيانات عام 2024 لا تزال غير دقيقة؛ إذ وفقاً لبيانات «البنك الدولي» – نقلاً عن المصرف المركزي – فإن حجم التحويلات الخارجية في عام 2024 وصل إلى 8 مليارات دولار، وهو رقم يبدو مُبالَغاً فيه إلى حدّ كبير. أمّا المصدر الثاني، فيتمثّل في إنفاق القادمين إلى البلاد، سواء أكانوا سياحاً أم زائرين؛ وبحسب بيانات «الهيئة العامة للمنافذ»، فإن عدد الأشخاص الذين دخلوا سوريا العام الماضي، بلغ نحو 6.2 ملايين قادم، من بينهم نحو مليون لاجئ عادوا إلى ديارهم. وإذا افترضنا أن كلّ قادم من غير اللاجئين أنفق نحو 500 دولار كمعدّل وسطي، فهذا يعني دخول ما يقارب 2.6 مليار دولار سنوياً إلى سوق القطع من ذلك المصدر كحدّ أدنى. وتأتي الصادرات كمصدر ثالث، حيث تذهب تقديرات بعض المنظمات والمواقع المتخصّصة بالتجارة العالمية إلى تقدير حجم الصادرات السورية في العام الماضي بنحو 3 مليارات دولار، متأتّية أساساً من تصدير الفوسفات والمُنتجات الغذائية والمنسوجات. لكن، كما هو معلوم، فإن جزءاً ليس بالقليل من هذه الإيرادات يبقى خارج البلاد لأسباب وغايات مختلفة.

وتشكّل واردات البلاد من التدفّق الاستثماري الأجنبي المباشر، سواء الناجم عن تنفيذ مشاريع خاصة في قطاعات النفط والنقل والكهرباء والعقارات، أو عن استثمار بعض الشركات والأملاك العامة في قطاعات كالإسمنت والحديد، المصدر الرابع للدولار. وهذه لم يتوضّح حجمها بعد في ضوء تأخّر عمليات التنفيذ، والشكوك المتعلقة بإدخال المستثمرين بعضاً من رؤوس أموالهم إلى البلاد. أمّا المصدر الأخير فيتلخّص في المساعدات الخارجية المختلفة، الرسمية وغير الرسمية، المُقدّمة لمؤسسات الدولة أو للمنظمات الأممية والدولية أو للفصائل المسلحة. ولا تتوفر بيانات كافية حول هذا البند، إلّا أنه يمكن استعراض بعض الأمثلة للإشارة إلى حجمه. فالسعودية مثلاً قدّمت في العام الماضي نحو 1.65 مليون برميل كمنحة نفطية؛ ووفقاً لكميات المشتقات النفطية المُفترض إنتاجها في المصافي المحلّية من خلال تلك المنحة، فإنه يفترض دخول نحو 250 مليون دولار، أو ما يعادلها بالليرة، إلى الخزينة العامة. كذلك الأمر بالنسبة إلى المنحة القطرية – السعودية الخاصة بتمويل رواتب العاملين في القطاع العام، والبالغة قيمتها نحو 89 مليون دولار. كما أن بيانات تنفيذ خطة الاستجابة الإنسانية الأممية أشارت إلى أن الدول التزمت بتسديد نحو 1.3 مليار دولار. وللعلم، فإن البيانات المتداولة تتحدّث عن أن كلفة رواتب عاملي «هيئة تحرير الشام»، الذين وُزّعوا على مؤسسات الدولة بعد الثامن من كانون الأول 2024، تصل سنوياً إلى أكثر من 350 مليون دولار.

النتائج المتوقّعة
ليس هناك من شكّ في أن كميات القطع الأجنبي الواردة إلى البلاد زادت منذ عام ونصف عام تقريباً، إنما المشكلة لا تزال في الكميات المُتاحة للتداول في السوقَين النظامي والموازي أولاً، وفي استدامة المصادر المغذّية للسوق بالدولار ثانياً. وأمام هذه الفوضى الواضحة في إدارة سوق القطع، والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، من تباطؤ عجلة الإنتاج وارتفاع كلفه لأسباب داخلية وخارجية، إلى إغراق الأسواق بالمستوردات وتبخّر الآمال الاستثمارية الكبيرة، فإن عودة سعر صرف الليرة إلى الانخفاض مجدّداً مقابل الدولار كانت متوقّعة، وقد جرى التحذير منها مُسبقاً. إلا أن الحكومة الانتقالية فضّلت عدم الاستماع إلى تلك التحذيرات، والاستمرار في الترويج لوعود وسرديات أثبت الواقع، يوماً بعد يوم، عدم موضوعيتها.

الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى