سر عسكري أخفته إسرائيل ولبنان لأشهر في واشنطن.. ما هو ؟

في تطور دبلوماسي-عسكري هادئ لكن حاسم، كشفت تسريبات صحفية عن تفاصيل مفاوضات أمنية سرية عُقدت في العاصمة واشنطن خلال الأشهر الماضية، جمعت بين ضباط من جيش الاحتلال الإسرائيلي ونظرائهم اللبنانيين، في إطار حوار غير مباشر قد يفضي إلى قفزة نوعية في العلاقات العسكرية بين البلدين، تتمثل بإنشاء قناة اتصال ساخنة للمرة الأولى بين هيئة الأركان في “الكرياه” وقيادة الجيش اللبناني في الجنوب.
وفقاً لتقرير نشره الكاتب جاكي خوجي في صحيفة “معاريف” العبرية، فإن هذه اللقاءات غير المعلنة أسفرت عن بلورة آلية تنسيق ميدانية متقدمة، تمهد الطريق لانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من مناطق عدة في جنوب لبنان، مع تسليمها للجيش اللبناني، مقابل التزام حزب الله بسحب خلاياه الميدانية تدريجياً إلى ما وراء نهر الليطاني، وفق خرائط محددة قُدمت من الجانب الإسرائيلي.
آلية الانسحاب وعودة النازحين وسط هشاشة المشهد
تقوم الخطة على عملية عسكرية مرحلية، تنتقل فيها السيطرة من جيب إلى آخر، ما يسمح بعودة آلاف النازحين إلى قراهم التي تعتبر معاقل تقليدية للحزب. لكن الصحيفة تصف هذه العملية بـ”الهشة للغاية”، حيث ترتبط فرص نجاحها بمستوى الثقة المتبادلة بين الأطراف الثلاثة (إسرائيل، لبنان، وحزب الله)، وسط مخاوف إسرائيلية واضحة من تسلل عناصر الحزب بين صفوف العائدين إلى ديارهم.
طهران تمسك بخيوط الضغط من الخلف
في غرفة العمليات غير المباشرة، تبرز إيران كلاعب رئيسي يتابع التطورات عن كثب، وفق التقرير. فقد طالبت طهران الوسطاء بوضع آلية صارمة لمراقبة تنفيذ التفاهمات، كما تمارس ضغوطاً مكثفة على المسار اللبناني للمطالبة بانسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب خلال مهلة لا تتجاوز الشهرين. وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع جولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية في سويسرا، حيث تعتبر طهران أن أي فشل في الانسحاب أو تعثر المحادثات قد يترك لبنان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وهو ما تستغله كـ”فرصة سياسية مؤقتة” للضغط على واشنطن.
انتقادات لترامب وغياب الرؤية الإسرائيلية
تنتقد “معاريف” في تحليلها الدور الأمريكي، مشيرة إلى أن الرئيس ترامب واجه اتهامات بإضعاف الردع الإسرائيلي عبر وقف القتال في غزة وتهدئة المواجهات مع إيران ولبنان. وترى الصحيفة أن غياب رؤية سياسية إسرائيلية واضحة يجعل التحركات الحالية أقرب إلى ردود فعل لحظية منها إلى استراتيجية وطنية متكاملة، خصوصاً في بيئة إقليمية تتغير معالمها بسرعة فائقة، وتُتخذ فيها بعض القرارات المصيرية من قبل أطراف خارجية.
الرهان الأمريكي على الصين ومأزق الخليج
تقدم الصحيفة تعليقين محوريين لفهم المشهد الأوسع:
أولاً: واشنطن وبكين: ترى “معاريف” أن تحركات ترامب تخضع لحسابات الصراع الاستراتيجي مع الصين، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لإضعاف اعتماد إيران الاقتصادي على بكين، مستخدمةً سياسة العصا والجزرة التي تجمع بين الضغط على صادرات النفط الإيرانية عبر ممرات الشحن، وفتح قنوات تفاوضية لإبعاد طهران عن المدار الصيني، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الإسرائيلية الآنية.
ثانياً: صدمة الردع الخليجي: تشير الصحيفة إلى أن دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات، تلقت واحدة من أقسى الضربات في تاريخها المعاصر، بعد أن تبين أن المظلة الأمنية الأمريكية لم تكن حاجزاً كافياً أمام التهديدات الإيرانية. وقد دفعها هذا الموقف الحرج إلى تجنب الرد العسكري المباشر، مما كشف خللاً جوهرياً في نظرية الردع الإقليمي، ويستدعي اليوم إعادة بناء استراتيجياتها الدفاعية بالتحول من سياسة التهدئة إلى تعزيز القدرات الهجومية والتحالفات المشتركة.
منطقة الخليج كقلب العالم النابض
تختتم الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن منطقة الخليج ليست مجرد ساحة صراع محلي، بل هي العمود الفقري للاستقرار العالمي باعتبارها ممراً حيوياً لخطوط الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. وفي مشهد عالمي شبهته الصحيفة بـ”دوامة ألعاب” يديرها كبار اللاعبين من الأعلى بينما تتحرك إسرائيل والفاعلون الإقليميون في داخلها، يبقى مستقبل المنطقة رهن تحولات دولية لا تتحكم بها الأطراف المحلية بالكامل، ما يضع الجميع أمام معادلة معقدة بين طموحات الأمن القومي وقسوة التوازنات الدولية.
عربي 21



