وثيقة “لا مانع”.. هل تحولت إلى كابوس يلاحق مالكي العقارات في سورية؟

عاد ملف نقل الملكية العقارية في سورية إلى دائرة النقاش مجدداً، بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إلى وثيقة “لا مانع” التي أصبحت شرطاً أساسياً لإتمام عمليات بيع وشراء العقارات.
وبين من يعتبرها وسيلة لحماية الملكيات ومنع التلاعب، ومن يراها عائقاً بيروقراطياً يعرقل مصالح المواطنين، تتزايد المطالب بإعادة النظر في آلية تطبيقها.
وتقول شكاوى متداولة إن الحصول على الوثيقة يستغرق في بعض الحالات عدة أشهر، فيما تبقى طلبات أخرى معلقة من دون توضيح للأسباب، الأمر الذي دفع البعض إلى الحديث عن تنامي ظاهرة السماسرة الذين يعرضون تسريع إنجاز المعاملات مقابل مبالغ مالية.
وتشترط الهيئة العامة للضرائب والرسوم إبراز وثيقة “لا مانع” قبل إتمام نقل الملكية العقارية، على أن تصدر عن المديريات المالية أو دوائرها المختصة، وتبقى صالحة لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ إصدارها.
انتقادات وتشبيهات بالموافقات الأمنية
وأثار هذا الإجراء موجة واسعة من الانتقادات، إذ شبّه عدد من المواطنين الوثيقة بالموافقات الأمنية التي كانت مفروضة خلال عهد النظام السابق، والتي حالت دون تمكن آلاف السوريين من التصرف بعقاراتهم لسنوات طويلة.
وبحسب شكاوى متداولة، فإن التأخير في إصدار الوثيقة فتح المجال أمام بعض الوسطاء لاستغلال حاجة المواطنين، عبر طلب مبالغ مالية مقابل تسريع الإجراءات، رغم أن الوثيقة تُعد حقاً قانونياً يفترض الحصول عليه وفق إجراءات واضحة ومحددة.
مبررات تتعلق بحماية الملكيات
من جهته، أوضح رئيس فرع نقابة المحامين في القنيطرة، علي ياسين عمر، أن وثيقة “لا مانع” ليست إجراءً جديداً بالكامل، بل تستند إلى اعتبارات قانونية وسيادية، من بينها حماية الأمن العام، وتنظيم عمليات البيع والشراء، ومكافحة غسل الأموال، إضافة إلى حماية أملاك الغائبين والمفقودين.
وأشار إلى أن سنوات الحرب شهدت حالات تزوير واستيلاء على عقارات وعمليات بيع صورية، فضلاً عن امتلاك متورطين في جرائم حرب أو تجارة مخدرات أو قضايا فساد لعقارات وأموال، ما يستدعي وجود آليات رقابية تمنع نقل هذه الممتلكات بصورة غير قانونية.
المشكلة في آلية التنفيذ
بدوره، أكد خبير التقييم العقاري عماد الدين شقيفة أن وجود ضوابط لتنظيم نقل الملكية أمر ضروري في المرحلة الحالية، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب إجراءات واضحة وسريعة للحصول على الوثيقة.
وأوضح أن أي قيود على حركة البيع والشراء تؤثر بطبيعة الحال في السوق العقارية، لكنها تصبح مقبولة عندما تكون محددة بضوابط زمنية وإدارية واضحة، في حين يؤدي التأخير والغموض إلى تعطيل مصالح المواطنين ويفتح الباب أمام الفساد والوساطات.
انعكاسات على السوق والاقتصاد
ويرى شقيفة أن بطء إصدار وثيقة “لا مانع” يؤثر مباشرة في نشاط السوق العقارية، لأن نجاح عمليات البيع والشراء يعتمد على سرعة إنجاز المعاملات وثقة المتعاملين بالإجراءات الرسمية.
وأضاف أن استمرار التأخير لا ينعكس فقط على أصحاب العقارات، بل يطال الاقتصاد أيضاً، نظراً لارتباط القطاع العقاري بتحصيل الرسوم والضرائب وتحريك العديد من الأنشطة الاقتصادية، داعياً إلى منح هذا الملف أولوية أكبر لما يمثله من أهمية بالنسبة لحقوق المواطنين.
دعوات إلى ربط إلكتروني بين الجهات الحكومية
واتفق المشاركون في النقاش على أهمية إنشاء نظام إلكتروني يربط بين وزارات العدل والداخلية والمالية والسجل العقاري، بحيث يتم التحقق من وضع البائع والمشتري والعقار منذ بداية المعاملة، بدلاً من الانتظار حتى مراحلها الأخيرة.
واعتبر علي ياسين عمر أن طلب وثيقة “لا مانع” بعد استكمال معظم إجراءات البيع يمثل خللاً إدارياً، لأنه قد يؤدي إلى ضياع الوقت والجهد وتحمّل المواطن تكاليف إضافية إذا ظهرت أي موانع في نهاية المعاملة.
واقترح أن تكون الوثيقة من أولى المستندات المطلوبة عند بدء إجراءات البيع أو تثبيت الملكية، مع تحديد مدة زمنية ملزمة لإصدارها لا تتجاوز بضعة أيام في الحالات الاعتيادية.
مطالب بإجراءات أكثر شفافية
ولا يزال الجدل قائماً بين من يرى في وثيقة “لا مانع” أداة ضرورية لحماية الملكيات ومنع التلاعب وغسل الأموال، وبين من يعتبرها عقبة جديدة تحد من حق المواطنين في التصرف بممتلكاتهم.
ويجمع كثيرون على أن جوهر المشكلة لا يكمن في وجود الوثيقة نفسها، وإنما في طريقة تطبيقها، مؤكدين أن المطلوب هو اعتماد آلية شفافة وسريعة ومحددة زمنياً، تحقق التوازن بين حماية الملكية العامة والخاصة، وتمنع في الوقت ذاته استغلال الإجراءات الإدارية في الفساد أو الابتزاز.
تلفزيون سوريا



