بعد ضخ الرواتب وأثمان القمح.. هل ينجح المركزي في احتواء موجة السيولة؟

يواجه مصرف سورية المركزي خلال المرحلة المقبلة اختباراً نقدياً معقداً، مع اقتراب صرف زيادات الرواتب والمعاشات، إلى جانب دفع مستحقات مزارعي القمح، وهي استحقاقات ستضخ كميات كبيرة من السيولة في الأسواق، ما يثير تساؤلات حول قدرة المصرف على الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة السورية.
وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، في تصريحات لصحيفة “الوطن”، أن الاستقرار الحالي في سعر صرف الليرة لا يعكس تحسناً حقيقياً في الاقتصاد، بل يعود بدرجة كبيرة إلى السياسات النقدية التي اتبعها مصرف سوريا المركزي لتقييد حجم السيولة المتداولة في السوق.
وبيّن أن المصرف عمل خلال الأشهر الماضية على الحد من الكتلة النقدية عبر فرض قيود على السحب والتحويلات، إلى جانب إجراءات استبدال العملة مطلع عام 2026، وهو ما ساهم في تقليص حجم الليرات المتاحة للمضاربة على الدولار، الأمر الذي ساعد في الحفاظ على استقرار نسبي لسعر الصرف.
وأشار إلى أن السعر الرسمي للدولار استقر خلال الفترة الأخيرة بين 120 و130 ليرة سورية جديدة، بينما بلغ في السوق الموازية نحو 138 ليرة، وهو فارق بقي محدوداً مقارنة بفترات سابقة، رغم غياب أي تحسن فعلي في مؤشرات الاقتصاد أو الإنتاج أو الاحتياطي النقدي.
وأضاف أن قرار إلزام استلام الحوالات الخارجية بالليرة السورية عزز من قدرة المصرف المركزي على إدارة سوق القطع الأجنبي، لكنه في الوقت نفسه خلق فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، استفادت منها شركات الصرافة عبر فروقات الأسعار.
ورأى عبد الكريم أن رفع السعر الرسمي تدريجياً خلال الأشهر الماضية لا يعكس قوة الليرة، بل يمثل محاولة لمواكبة السعر الحقيقي في السوق وتقليص الفجوة بين السعرين، تمهيداً لاعتماد سياسة أكثر مرونة في إدارة سعر الصرف.
وأوضح أن التحدي الأكبر سيبدأ مع صرف ثلاثة استحقاقات مالية متزامنة، تشمل زيادة رواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 50 بالمئة، ورفع معاشات المتقاعدين بنسبة 30 بالمئة، إضافة إلى دفع قيمة محصول القمح للمزارعين، والتي تُقدّر بنحو 46 مليار ليرة سورية جديدة، وهي كتلة نقدية ضخمة ستدخل السوق خلال فترة قصيرة.
وبيّن أن هذه السيولة قد تؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار والسلع في حال لم يقابلها ارتفاع مماثل في المعروض، الأمر الذي قد ينعكس على سعر الصرف ويؤدي إلى موجة تضخم جديدة، خاصة أن جزءاً كبيراً من الأموال التي ستُصرف للمزارعين قد يتجه سريعاً نحو شراء العملات الأجنبية أو السلع للحفاظ على قيمته.
وأشار إلى أن استقرار الليرة في المرحلة المقبلة يتوقف على قدرة مصرف سورية المركزي على امتصاص فائض السيولة، سواء من خلال أدوات نقدية فعالة أو عبر توفير تدفقات حقيقية من العملات الأجنبية، مثل زيادة تحويلات المغتربين أو استقطاب استثمارات جديدة.
وأكد أن غياب هذه الإجراءات قد يؤدي إلى اتساع الفجوة مجدداً بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، مع احتمال اضطرار المركزي إلى رفع السعر الرسمي تدريجياً لمواكبة التطورات.
وختم عبد الكريم بالقول إن استقرار سعر الصرف الحالي يبقى استقراراً إدارياً أكثر منه اقتصادياً، لأنه يعتمد على التحكم بالسيولة وليس على قوة الاقتصاد أو نمو الإنتاج، مشيراً إلى أن الأسابيع التي تلي صرف الرواتب والمعاشات ومستحقات القمح ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة السياسة النقدية على الحفاظ على استقرار الليرة السورية.
الوطن



