“رواد باشان”… حركة إسرائيلية تبحث عن مستوطنات جنوب سوريا

منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد نهاية عام 2024، أعلنت إسرائيل عداءها للحكومة السورية الجديدة، على رغم أن الأخيرة كررت في أكثر من مناسبة أنها لا ترغب في خوض أي معركة خارج حدودها، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام الأراضي السورية لاستهداف أي دولة كانت، لكن على رغم ذلك كانت الأراضي السورية هدفاً لإسرائيل، إذ اقتحمت المنطقة العازلة، وشنت غارات واسعة النطاق في سوريا بدعوى القضاء على ما تبقى من النفوذ الإيراني، ومواجهة نشاطات “حزب الله” في سوريا.
الخطاب التحريضي الرسمي الإسرائيلي ضد سوريا، دفع حركات متطرفة لإعلان رغبتها بالاستيطان في الأراضي السورية، مطالبة الجيش الإسرائيلي باحتلال مزيد من الأراضي والسماح بإقامة مستوطنات عليها، هذا النشاط تقوم به حركة متطرفة تسمى “رواد باشان” بدأ نشاطها العلني مطلع عام 2025، وتقول الحركة إنها تهدف إلى “إقامة مستوطنات وبؤر مدنية يهودية داخل الأراضي السورية”. وتسعى الحركة، التي تضم مئات الناشطين والمستوطنين القادمين من مستوطنات الجولان والضفة الغربية، إلى استغلال الفراغ الأمني في الجنوب السوري لمحاولة تحقيق أهدافها الأيديولوجية، إذ تقول إن هناك “حقاً تاريخياً لليهود في جنوب سوريا”.
تعتمد حركة “رواد باشان” في عملها على آلية ممنهجة لكسر الحدود وفرض وقائع استيطانية جديدة من خلال التسلل المنظم للعمق السوري، وتشمل استراتيجيتهم قيام مجموعات من المستوطنين، بعبور السياج الحدودي نحو ريف القنيطرة والمناطق المحيطة بجبل الشيخ، ويقوم الناشطون فور دخولهم برفع الأعلام الإسرائيلية واللافتات الاستيطانية، كذلك تدعو الحركة عبر منصاتها الرقمية بشكل علني إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعية السورية ومحاولة استغلالها لزراعة المحاصيل وبيعها، معتمدين على سياسة الخطوات التدريجية لتثبيت موطئ قدم مدني دائم.
ذروة النشاط
منذ مطلع يوليو (تموز) الجاري، شهد نشاط الحركة ذروته، إذ نفذت سبع محاولات تسلل واقتحام جماعية خلال فترة وجيزة، وفي واحدة من أبرز عملياتها، اقتحم نحو 70 إلى 100 مستوطن من نشطاء الحركة منطقة جبل الشيخ الحدودية وتسللوا إلى أطراف قرية حضر السورية بريف القنيطرة، حيث قضوا ليلة كاملة هناك وأعلنوا عبر حساباتهم الرسمية البدء في بناء أول مبنى استيطاني في المنطقة. هذه التحركات دفعت الجيش الإسرائيلي إلى التدخل المباشر وإحباط محاولة التوطين الجماعية خشية تدهور الوضع الأمني، وقام باعتراضهم وإعادتهم وتسليم عدد منهم للشرطة الإسرائيلية، معتبراً تصرفاتهم “مخالفة جنائية خطيرة” تعوق عملياته العسكرية، على رغم تأكيدات الحركة المستمرة بأنها تنسق وتتحرك بعلم مسبق من بعض القوات الميدانية.
على رغم قيام الجيش الإسرائيلي بإعادة جميع الناشطين الذين حاولوا عبور السياج الحدودي خلال الأشهر الماضية، فإن لدى المجتمع المحلي في الجنوب السوري مخاوف من أن تكون حركة “رواد باشان” لا تعمل بمعزل عن الغطاء السياسي، إذ تتلقى دعماً وتشجيعاً خلف الكواليس من شخصيات متطرفة داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي واليمين الحاكم، محذرين من أن صعود هذه الحركة يمثل خطراً استراتيجياً يهدد السيادة السورية، إذ تسعى الحركة جاهدة لاستنساخ نموذج الاستيطان العشوائي، البؤر الرعوية والمدنية، الذي طُبق في الضفة الغربية، والضغط على المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) للحصول على اعتراف رسمي بالاستيطان في جنوب سوريا، وهذا ما عبر عنه سكان عدد من القرى السورية في الجنوب، مؤكدين في بيانات رسمية استنكارهم ورفضهم المطلق لأي وجود إسرائيلي في مناطقهم.
مبادرة خارج الإطار الرسمي
في السياق، قال الصحافي الإسرائيلي روعي كاتس إن “حركة رواد باشان لا تمثل سياسة الحكومة الإسرائيلية، بل هي مبادرة غير رسمية يقودها ناشطون وأفراد يحملون رؤى خاصة تجاه جنوب سوريا. في إسرائيل، القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن تصدر عن الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو والمؤسسات الأمنية المختصة، وليس عن مجموعات مدنية أو حملات شعبية، وحتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تبنت هذه الحركة أو منحتها صفة رسمية”.
أضاف كاتس، وهو صحافي في هيئة البث الإسرائيلية، “على رغم الضجة الإعلامية التي أثارتها ما تسمى حركة رواد باشان، فإنها تبقى إطاراً غير رسمي لا يعكس بالضرورة توجهات الحكومة الإسرائيلية، وفي نهاية المطاف، تبقى الكلمة الفصل في ملفات الأمن والسياسة الخارجية بيد رئيس الوزراء والحكومة الإسرائيلية، بينما تتحرك مثل هذه المبادرات خارج الإطار الرسمي ولا تشكل سياسة رسمية”.
امتداد لنهج سياسي
من ناحيته، قال الصحافي السوري أسامة الأحمد “أي حركات أو مبادرات تنطلق من أوساط اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتسعى إلى تقديم تصورات لمستقبل الجنوب السوري، لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها امتداداً لنهج سياسي يقوم على فرض الوقائع بالقوة وتجاهل سيادة الدول. فمثل هذه المشاريع لا تخدم السلام ولا الاستقرار، بل تعكس رؤية أيديولوجية ترى في ضعف الدول المجاورة فرصة لفرض أجندات تخالف القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها”.
أضاف الأحمد “من منظور وطني سوري، فإن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن مستقبل بلادهم لا يمكن أن يقبلوا بأن يتحول وطنهم إلى ساحة لمشاريع اليمين المتطرف أو التجارب السياسية العابرة للحدود، إذ إن أي خطاب يروّج للتدخل في الشأن السوري أو يسعى إلى إعادة رسم التوازنات الداخلية من خارج الإرادة الوطنية، هو خطاب مرفوض، لأنه يتعامل مع سوريا باعتبارها ورقة جيوسياسية لا وطناً مستقلاً له شعبه ومؤسساته وحقه الكامل في اتخاذ قراراته بعيداً من الضغوط والإملاءات الخارجية”.
إسرائيل والقانون الدولي
وأكد الصحافي السوري أن “مواجهة التطرف الإسرائيلي لا تكون بتطرف مضاد، وإنما بالتمسك بالمبادئ الوطنية والقانون الدولي، وبالدفاع عن سيادة سوريا ووحدة أراضيها ورفض كل المشاريع التي تنتقص من هذه السيادة، أياً كان مصدرها، فالأمن الحقيقي في المنطقة لا يتحقق عبر أطروحات اليمين المتشدد أو سياسات فرض الأمر الواقع، وإنما عبر احترام حدود الدول وإنهاء الاحتلال والالتزام بالقانون الدولي، والقانون الدولي يؤكد حق سوريا بالسيطرة على كامل أراضيها وحماية حدودها. والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، سواء الرسمية وغير الرسمية، تتجاوز كل بروتوكولات القانون الدولي، لكن إسرائيل تظهر أنها والقانون الدولي خطان مستقيمان لا يجتمعان”.
اندبندنت عربية



